موسوعة الإمام الهادي(ع) - اللجنة العلمیة فی موسسة ولیعصر - الصفحة ٣٣ - (ز)- الجبر و التفويض
فمن زعم أنّ اللّه تعالى فوّض أمره و نهيه إلى عباده فقد أثبت عليه العجز، و أوجب عليه قبول كلّ ما عملوا من خير و شرّ، و أبطل أمر اللّه و نهيه و وعده و وعيده، لعلّة ما زعم أنّ اللّه فوّضها إليه، لأنّ المفوّض إليه يعمل بمشيئته، فإن شاء الكفر أو الإيمان، كان غير مردود عليه و لا محظور، فمن دان بالتفويض على هذا المعنى فقد أبطل جميع ما ذكرنا من وعده و وعيده و أمره و نهيه، و هو من أهل هذه الآية: أَ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَ تَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ يَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ وَ مَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ. تعالى عمّا يدين به أهل التفويض علوّا كبيرا.
لكن نقول: إنّ اللّه عزّ و جلّ خلق الخلق بقدرته، و ملّكهم استطاعة تعبّدهم بها، فأمرهم و نهاهم بما أراد، فقبل منهم اتّباع أمره و رضي بذلك لهم، و نهاهم عن معصيته، و ذمّ من عصاه و عاقبه عليها، و للّه الخيرة في الأمر و النهي، يختار ما يريد و يأمر به، و ينهى عمّا يكره و يعاقب عليه بالاستطاعة التي ملّكها عباده لاتّباع أمره و اجتناب معاصيه، لأنّه ظاهر العدل و النصفة و الحكمة البالغة، بالغ الحجّة بالإعذار و الإنذار، و إليه الصفوة يصطفي من عباده من يشاء لتبليغ رسالته، و احتجاجه على عباده؛ اصطفى محمّدا (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و بعثه برسالاته إلى خلقه، فقال من قال من كفّار قومه حسدا و استكبارا: لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ يعني بذلك أميّة بن أبي الصلت و أبا مسعود الثقفي، فأبطل اللّه اختيارهم و لم يجز لهم آراءهم حيث يقول: أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ رَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا وَ رَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ. و لذلك اختار من الأمور ما