من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٩٢ - يوم تأتي السماء بدخان مبين
لذلك أمره الله بألا يعجل في بيان القرآن لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ [القيامة: ١٦].
إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ والإنذار هو هدف القرآن وسائر الرسالات الإلهية، ذلك أن الأمم تبدأ بالانحراف عن هدى الله حتى تقف على شفا حفرة من النار والعذاب، فيبعث الله لها بمنذر وكتاب لإنقاذها.
[٤- ٥] وقد شرف الله ليلة القدر بأمرين
أولًا: حيث أنزل فيها كتابه الكريم الذي بعث به الإنسانية مقاما محمودا أهلهم به لجناته ورضوانه والزلفى من مقامه الأعلى.
وإنما شرف الزمان بما يقع فيه من حوادث عظيمة، وهل هنالك حادثة أعظم من وحي رب العزة؟! أوَ سَمعت كيف كادت السماوات يتفطرَّن من فوقهن لما مر بهن وحي الله العظيم؟! أوَ مَا قرأت أن القرآن لو أنزل على الجبال لتصدعت؟!
حقا إنها ليلة مباركة عظمت وشرفت في السماوات والأرض، ويحق لنا أن نكرِّمها بالعبادة.
ثانياً: لقد جعل الله ليلة القدر ليلة الوحي في كل عام حيث ينزل فيها ملائكته كل عام والروح من كل أمر، وحيث يستقبل الأنبياء ومن بعدهم الأوصياء وصيا بعد وصي رسل الله الذين يفصلون لهم ما قدره الله لعباده جميعا.
فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ شؤون العباد ليست تماما بأيديهم، بل لعل أغلبها بيد القدر .. والتفريق- حسب ما قال البعض- هو تفصيل ما أجمله الله في غيب علمه من حكم الخلق وأهدافه.
أَمْراً مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ فالأمر إذن يرسل من عند الله كما القرآن، أي إن القرآن منهاج عملنا في عالم التشريع، بينما قدر الله وقضاؤه يرسمان خريطة حياتنا في عالم التكوين، فكما يقدِّر الله في ليلة القدر ما يتصل بحياتنا جزءاً جزءاً كذلك يرسل الأنبياء ليفصلوا منهاج حياتنا كلمة كلمة.
[٦] وهذا التدبير الإلهي رحمة بالغة رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إن اليد الإلهية التي تسير شؤون الكون يد رحيمة وكريمة، ومن هنا كانت البصيرة القرآنية إلى الحياة توحي بالاطمئنان والثقة، فالمسلم الصادق يسلم لله، وتطمئن نفسه لقدره وقضائه أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد: ٢٨]. فهو لا يخشى من الطبيعة والناس من حوله ولا من المشاكل، لذلك فهو ينفق