من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٦٣ - ولا يصدنكم الشيطان
[٥٩] وإبطالا لجدالهم بيَّن الله أن عيسى لم يكن إلها كما اتخذه النصارى، ولم يدع الرسول الناس إلى نفسه أن يعبد من دون الله، إنما كان عيسى عند القرآن عبدا مخلوقا، وإنما كان يميزه عن الآخرين نعمة الوحي الذي أنزل عليه.
إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ حيث انتخبه الله لرسالاته وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ليقتدوا به، حيث إن الرسول- أي رسول- يجسد المكرمات، فيأمر الله باتخاذ سنته منهجا. ولقد فشت المادية في بني إسرائيل، وفرغت الرسالة من روحها وقيمها وأهدافها المباركة، فكان عيسى بن مريم عليه السلام مثلا لبني إسرائيل في الزهد والخلق الرفيع. هكذا يصف أمير المؤمنين عليه السلام أخاه عيسى ابن مريم حين يقول
[وإِنْ شِئْتَ قُلْتُ فِي عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ عليهما السلام فَلَقَدْ كَانَ يَتَوَسَّدُ الحَجَرَ ويَلْبَسُ الخَشِنَ ويَأْكُلُ الجَشِبَ وكَانَ إِدَامُهُ الجُوعَ وسِرَاجُهُ بِاللَّيْلِ القَمَرَ وظِلَالُهُ فِي الشِّتَاءِ مَشَارِقَ الأَرْضِ ومَغَارِبَهَا وفَاكِهَتُهُ ورَيْحَانُهُ مَا تُنْبِتُ الأَرْضُ لِلْبَهَائِمِ ولَمْ تَكُنْ لَهُ زَوْجَةٌ تَفْتِنُهُ ولَا وَلَدٌ يَحْزُنُهُ ولَا مَالٌ يَلْفِتُهُ ولَا طَمَعٌ يُذِلُّهُ دَابَّتُهُ رِجْلَاهُ وخَادِمُهُ يَدَاهُ] [١].
[٦٠] والله غني عن طاعتهم، ولو شاء لأهلكهم، وأسكن مكانهم ملائكته الذين لا يعصون الله ما أمرهم، وهم إذ يعصونه بالشرك لا يخرجون عن إطار قدرته وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلائِكَةً أي بدلا منهم فِي الأَرْضِ يَخْلُفُونَ.
[٦١] ومضى القرآن يكرِّم عيسى بن مريم، ويجعله من أشراط الساعة، حيث رفعه الله إليه، وادَّخره لآخر الزمان حيث يهبط من السماء، ويصلي خلف المهدي المنتظر عليه السلام بعد ظهوره كما جاء في العديد من الروايات.
جاء في النصوص المتظافرة عن أن أبا الزبير سمع جابر بن عبد الله يقول: [سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه واله يَقُولُ
كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا نَزَلَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ فَيَقُولُ: أَمِيرُهُمْ تَعَالَ صَلِّ بِنَا. فَيَقُولُ: لَا إِنَّ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ أُمَرَاءُ تَكْرِمَةً مِنَ الله لِهَذِهِ الأُمَّةِ] [٢]
. وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِهَا أي فلا تشكُّوا، وإنما يشكُّ الإنسان حتى يجعل علمه
جهلا بالتكاسل عن العمل، كما قال الإمام أمير المؤمنين عليه السلام
[لَا تَجْعَلُوا عِلْمَكُمْ جَهْلًا
[١] نهج البلاغة: خطبة ١٦٠:.
[٢] مجمع البيان: ج ٩، ص ٧٠، ثم قال: أورده مسلم في الصحيح، وبحار الأنوار، ج ٦، ص ٣٠١ ثم قال: أورده مسلم في الصحيح، وفي حديث آخر كما عن كشف الغمة: ج ٢، ص ٤٧٤
[يَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ عليه السلام فَيَقُولُ: أَمِيرُهُمُ المَهْدِيُّ تَعَالَ صَلِّ بِنَا، فَيَقُولُ: أَلَا إِنَّ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ أُمَرَاءُ تَكْرِمَةً مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ لِهَذِهِ الأُمَّةِ]
.