من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٦٥ - ولا يصدنكم الشيطان
وتنظم علاقاتهم ببعضهم، بينما كان التوراة دستوراً متكاملًا للحياة ولذلك سمي بالكتاب كما- يبدو لنا- وهذه الحكمة- حسبما يبدو بالتأمل- هي ذاتها التي آتاها الله عيسى عليه السلام بالإضافة إلى الكتاب، وهي التي تمثلت في الإنجيل كما تمثل الكتاب في التوراة، وقال الله تعالى وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ [آل عمران: ٤٨]، وقال الله تعالى إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ [المائدة: ١١٠].
وهكذا يكون الكتاب تلك البصائر والأحكام الثابتة التي تعكس سنن الله التي لا تتغير، بينما الحكمة هي القيم العامة والأصول الكلية التي لو عرفها الإنسان عرف كيف يحكم بين الناس في الحوادث الواقعة فهي: (الشريعة). وإذا كان الكتاب جملة الحقائق والبصائر. فإن الحكمة هي فقه الكتاب، وتعقله ومعرفته بحيث يصدر الأحكام الصحيحة منه، وبحيث ينظم العيش على أساسه، ويدبّر متغيرات الحياة وفق تعاليمه.
وقد فسرت السنة الشريفة الحكمة بأنها مخالفة للهوى وأنها أجزل حظوظ العقل، وأنها الفهم والعقل. وأنها ضياء المعرفة وميراث التقوى، وثمرة الصدق، وفي حديث أنها الحكماء من الأنبياء والأوصياء.
وقد علم النبي الأكرم محمد صلى الله عليه واله المؤمنين بالكتاب والحكمة، وقال الله تعالى كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ [البقرة: ١٥١]. وكانت تلك منة كبرى امتن بها الرب تعالى على هذه الأمة، حيث بعث فيهم رسولًا من أنفسهم يتلو عليهم آيات الله (يذكرهم بالله ويوقظ عقولهم وينمي معارفهم)، ويزكي قلوبهم (ويطهرها من الفواحش الباطنية كالكبر والغفلة والحسد والشح)، ويعلمهم الكتاب (وفيه كل الحقائق)، ويعلمهم الحكمة (الشريعة ومنهج الحكم)، وقد نقلهم الله بنبيه من ظلام الجاهلية إلى نور الإسلام، حيث كانوا من قبل في ضلال مبين، وقال الله تعالى لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ [آل عمران: ١٦٤].
إذن الحكمة جوهر الرسالة، الذي يصدقه عقل الإنسان وفطرته .. ورأس الحكمة توحيد الله، ومخافته، والتوكل عليه، والتحابب فيه، والإحسان إلى الناس ابتغاء رضوانه، وهذه هي وصايا الأنبياء عليهم السلام وبالذات النبي عيسى بن مريم عليه السلام فلقد جاء في بعض مواعظه
[بِحَقٍ