من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤١٧ - وفي السماء رزقكم وما توعدون
بلى، السعي واجب ولكن الفرق كبير بين السعي وراء الرزق بل وحتى الكد والكدح من أجله وبين التهالك عليه (الذوبان في بوتقته) حتى لا يكون لدى المرء هم سواه، فتمسخ شخصيته، وتختصر إنسانيته في آلة اقتصادية، كلا .. إن للإنسان تطلعات سامية وإنما الرزق وسيلة البلوغ إليها فقط. لذلك جاء في الحديث المأثور عن النبي صلى الله عليه واله أنه قال
[الرِّزْقَ لَا يَسُوقُهُ حِرْصُ حَرِيصٍ وَلَا يَرُدُّهُ كَرَاهِيَةُ كَارِه] [١].
بل إننا نجد أن الرزق يرتبط بجوانب عديدة من حياة الإنسان منها السعي والكدح. فمن ألغى سائر جوانب حياته واختصر نفسه في البحث عن الطعام لم يوفق فيه كيف؟
أليست الأمة الجاهلية المفككة التي لا تهتم بالسياسة ولا تعي التطورات الكبرى في العالم ولا تتكامل عواطفها أدبيا وفنيا هذه أمة متخلفة، وهل نصيب الأمة المتخلفة غير الفقر والمسكنة حتى لو واصل أبناؤها الليل والنهار في طلب الرزق؟
وكما في الأمة كذلك في الفرد فمن تدانت عزيمته وهمتَّه، وضاق أفق علمه ووعيه، وساءت أخلاقه وآدابه، لم ينفعه اجتهاده في طلب الرزق، بينما الآخر الذي تسامت همتَّه، وازداد علمه ووعيه، وحسنت أخلاقه وآدابه اكتفى بقليل من الجهد المركز، وحصل على الكثير من المكاسب أليس كذلك؟ من هنا جاء في الحديث المأثور عن الإمام الصادق عليه السلام
[والَّذِي بَعَثَ جَدِّي صلى الله عليه واله بِالحَقِّ نَبِيّاً إِنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ لَيَرْزُقُ العَبْدَ عَلَى قَدْرِ المُرُوءَةِ وإِنَّ المَعُونَةَ تَنْزِلُ عَلَى قَدْرِ المَئُونَةِ وإِنَّ الصَّبْرَ يَنْزِلُ عَلَى قَدْرِ شِدَّةِ البَلَاءِ]
[٢]، وقال عليه السلام
[كَفُّ الأَذَى وَقِلَّةُ الصَّخَبُ يَزِيدَانِ فِي الرِّزْقِ]
[٣]، وروي عن الرسول صلى الله عليه واله أنه قال
[التَّوْحِيدُ نِصْفُ الدِّينِ واسْتَنْزِلُوا الرِّزْقَ بِالصَّدَقَةِ]
[٤] وأخطر ما في التهالك على طلب الدنيا أنه يشغلك عن ذكر الله، والتسامي إلى قربه، والنظر إلى آيات قدرته في نفسك والخليقة، والاجتهاد في طلب الآخرة التي هي دار مقرك.
وكلمة أخيرة: لأن ما وعدنا الله من رحمته في السماء فقد أمرنا بالتوجه إليها عند الدعاء. جاء في حديث مأثور عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال
[إِذَا فَرَغَ أَحَدُكُمْ مِنَ الصَّلَاةِ فَلْيَرْفَعْ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ ولْيَنْصَبْ فِي الدُّعَاءِ.
فَقَالَ ابْنُ سَبَإٍ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ أَلَيْسَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ بِكُلِّ مَكَانٍ؟ قَالَ عليه السلام
: بَلَى،
قَالَ: فَلِمَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ؟
فَقَالَ
عليه السلام
: أَوَ مَا تَقْرَأُ
وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ
[١] الكافي: ج ٢ ص ٥٧.
[٢] بحار الأنوار: ج ٧٦ ص ٣٠٠.
[٣] التوحيد: ص ٤٥٩.
[٤] وسائل الشيعة: ج ٩ ص ٣٧١.