من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤١٤ - وفي السماء رزقكم وما توعدون
وبالرغم من أنهم كانوا ينتظرونه لم يقدروا على الدفاع، ولهم ينصرهم أحد، وما كان يمكن نصرهم أبدا.
وبعد أن يشير السياق إلى قصة نوح يختم الدرس الذي نستوحي منه سنة الجزاء في الخلق، وأنها لا تختص بقوم ولا بذنب، فكل فسق وجريمة وإسراف يلقى جزاءه، وهذا الجزاء دليل هيمنة الرب وعدالته وقدرته، وكل ذلك يهدينا إلى الجزاء الأكبر في الآخرة.
بينات من الآيات
[٢٠] لو اطلعت ضحى من فوق ربوة على مروج خضراء، تحيط بها أشجار مثمرة، وعلى اليمين منها ابتسم لك حقل من ورود متنوعة، لا بد أن جمال المنظر يشغلك عن تذكر الحقيقة التالية: أنه لولا ضياء الشَّمس الذي ينعكس على الطبيعة لما ما ظهرت هذه الألوان الجذابة عليها. أليس كذلك؟
وإذا تذكرت هذه الحقيقة عرفت آنئذ أن كل ورقة زاهية من هذه الورود وكل نبتة خضراء رائعة في تلك المروج علامة واضحة على وجود ضياء الشمس.
أصحاب البصائر يتذكرون هذه الحقيقة، وينفذون بعقولهم إلى غيب الواقع المشهود فيما يتصل بخالق الطبيعة، ويعرفون أن كل شيء في الخليقة آية ظاهرة لخالقها العظيم، كما أن انعكاسات النور شاهدة على وجود مصدره (الشمس)، وتعالى الله عن الأمثال.
ومن هنا كانت آيات الله في الأرض تتجلى للمؤمنين بصورة أبهى وأسنى، أما غيرهم فإن جمال المظهر يشغلهم عن ينبوع النور والجمال والبهاء، لأن نظرتهم قاصرة، وهمتهم محدودة، فلا تتجاوز الحقائق الجزئية والذاتية.
وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ المنهج القرآني الذي يكشف حجب العناد والريب والغفلة عن بصائر الناس، ويجعلهم يتفكرون في غيب السماوات والأرض، ولا ينظرون فقط إلى ظاهر الحياة الدنيا، بل يجعلون كل ظاهرة جسرا إلى غيبها، وكل حدث نافذة إلى رحاب الحقيقة الأكبر منه.
بلى، هذا المنهج القرآني المعجز يصل الإنسان بالخليقة عبر جسر الإيمان، حتى ليصبح كل شيء من حوله ناطقا يناجيه بسر الكائنات، ويتناجى هو معه بلغة العارفين.
إن حقائق الخلق، من حجر وشجر وأحياء .. من سحب تلبِّد السماء، وغيث يسقي