من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٠٣ - يسألون أيان يوم الدين؟
يحذرونه من عذاب شديد؟ بلى، إنه لم يترك إلى الأبد، إنما ليوم الفصل حيث ينتظره الوعيد الصادق. دعنا إذن نحذر الآخرة، ونتقي ما يعرضنا فيها للعذاب، هكذا تتصل حقائق القسم السابقة بحقيقة الوعيد الذي أنذر به البشر.
[٦] وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ الدين: (ذلك الجزاء الأوفى الذي بشرنا به لو اتقينا الرب) حق، ويقع في ميعاده المحدد.
قالوا: الدين هو الجزاء، وإن يوم الدين هو يوم الجزاء، وإذا فالدين- حسب هذا الرأي- يقع في الآخرة. ولكن الأمثال التي يضربها القرآن فيما يأتي من واقع التاريخ البشري في الدنيا لا تخص بالآخرة، وحتى كلمة الدين عامة تشمل الدنيا، بلى، الجزاء الأوفى في الحياة الأخرى أما الدنيا فالجزاء فيها محدود.
إن تقدير الله حكيم، وتقسيم الملائكة الأمر يجري وفق ذلك التقدير، فكيف لا يتصل بسلوك البشر وما يختاره لنفسه من خير وشر.
الأمنة والخوف، التقدم والتخلف، الغنى والفقر، الصحة والمرض، الوفرة والجدب، كل ذلك يخضع لتقدير الرب الحكيم، ولعل وعي هذه الحقيقة يفتح أبواب المعرفة أمام الإنسان، ويعطيه مفك ألغاز الخليقة من حوله، ويضعه على المنهج السليم في بحثه عن العلل والأسباب. إنه باختصار سبيله نحو الحضارة. أليس التخلف ناشئا من الفصل بين سلوك الإنسان وواقعه، إذا فإن الخلاص منه يكون بمعرفة اتصالهما ببعضهما اتصال العلة بالمعلول.
أكثر الناس يجهلون أو يغفلون عن هذه الحقيقة أن ظواهر الطبيعة وأحدثها تخضع لتقدير حكيم، وأن سلوك كل واحد من أبناء البشر يؤثر- بقدره- في هذه الظواهر، لذلك فهم يتمنون تحسن حياتهم، ولكن دون أن يسعوا إلى ذلك بتحسين سلوكهم، والقرآن لا ينفك عن تأكيد هذه الحقيقة لعلنا نبلغ أهدافنا بأقصر السبل وآمنها ألا وإنه إصلاح الذات لإصلاح الحياة.
[٧] ثم يقسم الرب تبارك وتعالى بالسماء التي أحكمت إحكاما، التي تشبه الدروع المحبوكة، المتصلة حلقاتها مع بعضها بمتانة وقوة.
وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ لعل القرآن الحكيم يشِّبه السماء بالدرع، وعندئذ يعطي لها هذا التشبيه صفات ثلاث
الأولى: أنها قوية متينة كما الدرع.
الثانية: أنها تحفظ الأرض من النيازك والغازات السامة.