من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٩ - إن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا
اللهُ تَعَالَى
أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ- يَا مُحَمَّدُ- نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا
فَأَحْوَجَنَا بَعْضاً إِلَى بَعْضٍ، أَحْوَجَ هَذَا إِلَى مَالِ ذَلِكَ، وَأَحْوَجَ ذَلِكَ إِلَى سِلْعَةِ هَذَا وَإِلَى خِدْمَتِهِ.
فَتَرَى أَجَلَّ المُلُوكِ وَأَغْنَى الأَغْنِيَاءِ مُحْتَاجاً إِلَى أَفْقَرِ الفُقَرَاءِ فِي ضَرْبٍ مِنَ الضُّرُوبِ إِمَّا سِلْعَةٌ مَعَهُ لَيْسَتْ مَعَهُ وَإِمَّا خِدْمَةٌ يَصْلُحُ لَهَا لَا يَتَهَيَّأُ لِذَلِكَ المَلِكِ أَنْ يَسْتَغْنِيَ إِلَّا بِهِ وَإِمَّا بَابٌ مِنَ العُلُومِ وَالحِكَمِ هُوَ فَقِيرٌ إِلَى أَنْ يَسْتَفِيدَهَا مِنْ هَذَا الفَقِيرِ الَّذِي يَحْتَاجُ إِلَى مَالِ ذَلِكَ المَلِكِ الغَنِيِّ، وَذَلِكَ المَلِكُ يَحْتَاجُ إِلَى عِلْمِ هَذَا الفَقِيرِ أَوْ رَأْيِهِ أَوْ مَعْرِفَتِهِ ثُمَّ لَيْسَ لِلْمَلِكِ أَنْ يَقُولَ: هَلَّا اجْتَمَعَ إِلَى مَالِي عِلْمُ هَذَا الفَقِير. وَلَا لِلْفَقِيرِ أَنْ يَقُولَ: هَلَّا اجْتَمَعَ إِلَى رَأْيِي وَعِلْمِي وَمَا أَتَصَرَّفُ فِيهِ مِنْ فُنُونِ الحِكَمِ مَالُ هَذَا المَلِكِ الغَنِيِّ.
ثُمَّ قَالَ
وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً
. ثُمَّ قَالَ- يَا مُحَمَّدُ- قُلْ لَهُمْ
وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ
أَيْ مَا يَجْمَعُهُ هَؤُلَاءِ .....] [١].
ونستخلص من هذا النص: أن الجاهلية تعطي القيمة للمادة لا للمبادئ، وقد أشار القرآن إلى هذه النظرة الشاذة عند ذكر قصة طالوت حينما اختاره ملكا لبني إسرائيل فقالوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنْ الْمَالِ [البقرة: ٢٤٧]. وعندما حكى قصة صاحب الجنة وصاحبه، قال وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَراً (٣٤) وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً (٣٥) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْهَا مُنقَلَباً [الكهف]. إذ زعم هذا أن أمواله دليل على حب الله له، ولهذا فهو لا يظن أن الساعة قائمة، لأن الدنيا أنسته الآخرة، ولكن إن قامت الساعة فسيجد خيرا منها منقلبا. هكذا تمسك بالمقاييس المادية في تقييم الآخرة. وهكذا زعم كفار قريش أن ثروة أحد الرجلين في مكة أو الطائف ترشح أحدهما للرسالة.
[٣٢] وقد جاءت رسالات الله لتنقذ البشر من ويلات المادة وأصحابها، جاءت لتكون بصائرها منارا للفقراء في كفاحهم لمواجهة استغلال الأغنياء، وللمستضعفين في مواجهة إرهاب المستكبرين، جاءت لتبصير الجاهلين بزيف قيم المادة التي يدعو إليها أدعياء العلم والدين من أصحاب الطغاة والمترفين من أجل تكريس طغيانهم وفسادهم، وتضليل المحرومين حتى لايطالبوا بحقوقهم. وهكذا رد القرآن تلك المقولة الجاهلية ببيان بصيرتين
الأولى: كما أن الله تفضل على الأغنياء بالمال فلا يسأل عن ذلك، كذلك يتفضل على
[١] الاحتجاج: ج ١ ص ٣٢.