من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٦٥ - وما أنا بظلام للعبيد
الله بما يشتمل عليه من الآيات والمناهج، كفيل بأن يعطي لمن يتبعه العزة والكرامة، ويرفعهم إلى قمم التقدم والكرامة، لأنه منطلق ذلك كله. ولكن الكفار والمشركين أغفلوا هذه الحقيقة وتركوا ذلك المجد بسبب نفسياتهم وثقافتهم السلبية، وساروا في نفق التساؤلات والمواقف القشرية السخيفة التي أفقدتهم ذلك المجد.
والأمة الإسلامية إنما قصرت عن بلوغ الحضارة، وتوقفت عن التقدم الذي بدأته في نهضتها الأولى، بل وتراجعت أمام الأمم الأخرى بالرغم من امتلاكها لهذا الكتاب العظيم بسبب تعاملها الخاطأ معه، فاذا به عند بعض المسلمين كتاب تفؤل وتبرك، بينما انصرف البعض الآخر عن قيمه ومناهجه الحضارية إلى حروفه وما تشابه منه، وهكذا هجروا كتاب الله، فلم يبلغوا شيئا من المجد، ليس لأن القرآن استنفذ أغراضه فلم يعد كتاب المجد، وإنما لأنه لا يعطي ذلك إلا لمن اتبعه بحق.
[٢] إن الكفار رفضوا مجد القرآن، وأصروا على مسيرتهم المنحرفة، لأن القرآن شيء جديد، ولأن القائد الذي أمروا باتباعه بشر مثلهم ومن وسطهم. وهذا يدل على أنهم لا يتبعون الحق وهدى العقل في حياتهم، وإنما يتبعون الأهواء والمصالح. وحيث إن قيم القرآن وقيادة الرسول يتعارضان مع تلك الأهواء فهي عجيبة ومرفوضة عندهم بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ أي لم تكن نظائر سابقة ليكون مألوفا عندهم، فهو شيء عجيب، والحال إن بلوغ المجد لا يمر بمتابعة الشهوات، بل يتطلب مخالفتها والتنازل عنها.
[٣] لقد أثار تعجب الكفار إنذار القرآن بيوم القيامة .. قالوا كيف يجمع الله أعضاء الإنسان بعد الموت وتحولها إلى ذرات في التراب؟ وأغرب من ذلك كيف تصير إنسانا سويا؟
أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ إنهم لا يؤمنون بإله قادر يدبِّر شؤون الخلق، فعارضهم القرآن، ولا يؤمنون بالمسؤولية في الحياة، فجاءهم بخلاف هذه العقيدة، فرفضوه لعدم إلفتهم به، وما ذلك سوى منهج الجاهلين الذين يعادون مالا يعلمون ولا يصدقون إلا بما يألفون من حقائق، بينما العلماء وأولو العقل يبحثون عن الحقائق ويقولون: نحن لا نحيط علما بكل شيء، إذن دعنا نبحث بايجابية. فربما كان هذا واقعا ونحن لم نعرفه، أوَلَم تكن هذه إلا حقائق كنا نجهلها ثم عرفناها ولم نكن نألفها ثم ألفناها، فلماذا ننكر رأسا كل ما يقال لنا أليس ذلك من الغباء؟
وعموما التعجب من الجهل وقلة الوعي، ومتابعته من الجهالة والحمق.
[٤] ولكن القرآن يعالج هذا التعجب، ويبيِّن قدرة الله على جمع أجزاء الإنسان وبعثه