من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٥٣ - بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان
من دون معرفة الطريق والاستقامة عليه، بعيدا عن أمواج الفتن، وضغوط الهوى ورياح الشهوات، لذلك كانت التقوى أرفع درجة من الإيمان، كما أن الإيمان أرفع درجة من الإسلام، وقد قال الإمام الرضا عليه السلام
[الإِيمَانُ فَوْقَ الإِسْلَامِ بِدَرَجَةٍ والتَّقْوَى فَوْقَ الإِيمَانِ بِدَرَجَةٍ واليَقِينُ فَوْقَ التَّقْوَى بِدَرَجَةٍ ومَا قُسِمَ فِي النَّاسِ شَيْ ءٌ أَقَلُّ مِنَ اليَقِينِ] [١].
وإنما رفع الإسلام قواعد المجتمع الفاضل على أساس التقوى، لأنه من دونها تمزق العصبيات الجاهلية التجمع البشري، ولا تدعه يتكامل، بل في كثير من الأوقات يتقابل مع بعضه، ويسير في طريق الهدم. قال الله سبحانه إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمْ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً [الفتح: ٢٦]. إن كلمة التقوى هي صبغة التجمع الإيماني ومحوره، وعماد تماسكه، ومبعث قوته، بينما العصبيات الجاهلية هي صبغة سائر المجتمعات غير الإيمانية .. وحين حارب الإسلام هذه العصبيات استطاع أن يصهر المجتمع الجاهلي المتشرذم في بوتقة التوحيد، ويبني منه تلك الحضارة التي لم يشهد التاريخ لها مثيلا.
وقد ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآية: أن النبي صلى الله عليه واله أمر بني بياضة أن يزوجوا أبا هند امرأة منهم، فقالوا لرسول الله صلى الله عليه واله
[نُزَوِّجُ بَنَاتِنَا مَوَالِينَا]
فأنزل الله عز وجل الآية [٢].
ويظهر من هذا الحديث والذي يليه مدى الصعوبة التي عاناها رسول الله صلى الله عليه واله في انتزاع روح العصبية من ذلك المجتمع الجاهلي المتخلف، وقد روي عن ابن عباس وقيل: لما كان يوم فتح مكة أمر رسول الله صلى الله عليه واله بلالا حتى علا ظهر الكعبة وأذن فقال عتاب بن أسيد: الحمد لله الذي قبض أبي حتى لم ير هذا اليوم، وقال حارث بن هشام: أما وجد محمد غير هذا الغراب الأسود مؤذنا؟ وقال سهيل بن عمرو إن يرد الله شيئا لغيره. وقال أبو سفيان: إني لا أقول شيئا أخاف أن يخبره رب السماء فأتى جبرئيل رسول الله صلى الله عليه واله فأخبره بما قالوا فدعاهم رسول الله صلى الله عليه واله وسألهم عما قالوا فأقروا به ونزلت الآية [٣].
وحتى آخر أيامه كان النبي صلى الله عليه واله يكافح الحمية الجاهلية، فقد ذكر الرواة أنه خطب رسول الله صلى الله عليه واله بمنى في وسط أيام التشريق (حيث تجمع الحجاج من كل البلاد) وهو على بعير فقال
[أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، ألْا لَافَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أعَجَمِيّ وَلَا أعَجَمِيّ عَلَى عَرَبِي، وَلَا لْأسْوَدٍ على أحْمَرٍ، وَلَا أَحْمَرٍ عَلَى أَسْوَدٍ إِلَّا بِالتَّقْوَى، أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟
قَالُوا
[١] الكافي: ج ٢، ص ٥١.
[٢] تفسير القرطبي: ج ١٦ ص ٣٤١، السنن الكبرى للبيهقي: ج ٧ ص ١٣٦.
[٣] بحار الأنوار: ج ٢٢ ص ٥٣.