من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٢٩ - فأصلحوا بين أخويكم
حُزْنٌ حَزِنَتْ هَذِهِ لِأَنَّهَا مِنْهَا] [١].
ويبقى سؤال: لمَ اختار الإسلام كلمة الإخوة لبيان مدى العلاقة بين أبنائه؟ ثم لماذا نسب هذه الحالة إلى الإيمان؟
حينما اختار المبدأ الغربي كلمة (المواطن) لبيان العلاقة بين أبنائه انطلق من فكرة تقديس الأرض وربط الناس بها وبالمصالح المشتركة التي تشد مجموعة من البشر ببعضهم. حينما انتخب المبدأ الشرقي كلمة (الرفيق) فقد اعتمد على دور المسيرة النضالية في علاقاته الاجتماعية.
أما الإسلام فقد اجتبى لنا كلمة الأخ لنعلم أن صلتنا ببعضنا ليست مادية قائمة على أساس تقدير الأرض والمصالح، كما أنها لا تخص حالة النضال ورفاقة المسيرة، وإنما هي مبدئية ناشئة من صلة كل واحد منا بدينه، حتى ليصبح الدين كالأب الذي هو أصل وجود الابن، وكلما قويت واشتدت صلتنا بالأصل قويت وتنامت صلتنا ببعضنا.
ومن هنا جاء في الحديث المأثور عن الإمام الصادق عليه السلام
[المُؤْمِنُ أَخُو المُؤْمِنِ كَالجَسَدِ الوَاحِدِ إِنِ اشْتَكَى شَيْئاً مِنْهُ وَجَدَ أَلَمَ ذَلِكَ فِي سَائِرِ جَسَدِهِ وأَرْوَاحُهُمَا مِنْ رُوحٍ وَاحِدَةٍ وإِنَّ رُوحَ المُؤْمِنِ لَأَشَدُّ اتِّصَالًا بِرُوحِ اللهِ مِنِ اتِّصَالِ شُعَاعِ الشَّمْسِ بِهَا] [٢].
وإنما نسب الوحي الإخوة إلى الإيمان (وليس الإسلام) لأن الإسلام مجرد التسليم للدين بينما الإيمان وَقر في القلب يفيض على كل جوانب حياة الإنسان، والذي يرفع الناس إلى مستوى الإخوة ليس مجرد التصديق المبدئي بالدين وإنما تطبيق تلك التعاليم القيمة التي تسقط الحواجز المادية والمصلحية التي تفصلهم عن بعضهم.
فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ما دمنا إخوة، فلا بد من ردم الفجوات التي تفصل بيننا، وهدم الحواجز وسد الثغرات. أرأيت البنيان المرصوص، وهكذا يكون بناء التجمع الإيماني. أرأيت لو امتلأ بالثغرات والثقوب هل يكون البنيان مرصوصا، وهل يصلح للبقاء طويلا؟
إن التعامل اليومي بين المؤمنين يستدعي إشاعة حالة السلام والصفاء والمودة بينهم، وإلا فإن التعامل ليس فقط يصبح صعبا، بل يكون متلفا للأعصاب ويسبب تراكم السلبيات. ولولا عملية الإصلاح اليومية التي يقوم بها المؤمنون تجاه إخوتهم في ما يشجر بينهم فإن تراكم السلبيات يمهد السبيل للصراعات الكبيرة التي قد تؤدي إلى حالة الاقتتال، لأن كل واحد
[١] الكافي: ج ٢ ص ١٦٦.
[٢] بحار الأنوار: ج ٧١ ص ٢٧٧.