من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٢٢ - فأصلحوا بين أخويكم
بالإسلام أو بالمسلمين أو بالتاريخ الإسلامي ذات حرمة بل قداسة عند البعض، بينما نجد في تاريخنا ما يندى له جبين الإنسانية، مثل واقعة عاشوراء حيث ذبح سيد الشهداء سبط رسول الله عطشانا على جنب الفرات وأسرت بنات رسول الله وطوف بهن البلاد .. كلا لا ينبغي أن نكون مثل الذين اتبعوا آباءهم وقدسوا تراثهم حتى قال لهم الله وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ [لقمان: ٢١]. وقال سبحانه وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ [المائدة: ١٠٤]. المقياس الوحيد للحق هو وحي الله المتمثل في كتاب الله، وتفسيره الصحيح الذي بيَّنه رسول الله وأهل بيته المعصومون عليهم السلام، أو ما يكشفه العقل والعلم بوضوح كاف .. أما سيرة السلاطين، أو سلوك الأولين فإنه يخضع بدوره للوحي، فما وافق كتاب الله وسنة رسوله أكرمناه، وما خالفهما تركناه .. ولا يجوز تعطيل العقل في فهم الوحي لمصلحة التراث، فإنه من الغلو في الدين الذي نهينا عنه، كما قال الله سبحانه لبني إسرائيل قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ [المائدة: ٧٧].
من هنا لا يجوز أن ننسب العصمة إلى أصحاب رسول الله جميعا، بل لا بد أن نخضع تصرفاتهم لقيم الوحي ونأخذ بما ثبت عن طريقهم من أقوال رسول الله ولا يلزمنا اجتهادهم في الدين أو تفسيرهم للقرآن، ولا سلوكهم وبخاصة المخالف للنص.
ولا يجوز أن يوقعنا احترام الصحبة إلى مخالفة نصوص الدين، بخلاف ما قال المفسر المعروف القرطبي حيث ذكر أنه: [لا يجوز أن ينسب إلى أحد من الصحابة خطأ مقطوع به إذ كانوا كلهم اجتهدوا فيما فعلوه وأرادوا الله عزَّ وجلَّ وهم كلهم لنا أئمة] [١].
حقا ينبغي احترام الصحبة، ولكن ليس إلى درجة الوقوع في التناقض أو التبرير الذي لا يقبله العقل، فلا ريب أن قتال الصحابة مع بعضهم كان خطأ فادحا، لا بد أن ندينه وندين الباغي، وكيف يجوز لنا أن نقيِّم حوادث اليوم حسب الدين، ولا يجوز أن نفعل مثل ذلك في الماضين؟ أولم يكونوا بشرا مثلنا؟ لنكنْ أكثر واقعية، ونضع كل شيء في موضعه المناسب ولا نكون كالحسن البصري الذي سئل عن قتال الصحابة فقال: [قتال شهده أصحاب محمد صلى الله عليه واله وغبنا، وعلموا وجهلنا، واجتمعوا فاتبعنا، واختلفوا فوقفنا ...] [٢].
[١] تفسير القرطبي: ج ١٦ ص ٣٢١.
[٢] تفسير القرطبي: ج ١٦ ص ٣٢٢.