من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٧٢ - إنا أرسلناك شاهدا
والإيمان به امتداد للإيمان بالله وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا وهنا اختلف المفسرون في تحديد الذي تعود عليه ضمائر هذه الكلمات، فقال جماعة بأنها تعود إلى الله سبحانه وتعالى، ولا يمكن أن تعود على الرسول، وقد عطف عليهما التسبيح الذي هو مختص به عزَّ وجلَّ، وقال آخرون بأن الضميرين في وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ يعودان على الرسول، والمعنى تنصرونه وتعظمونه.
وما يبدو لي هو أن نصر الله وتعظيمه يتحققان بنصر رسوله ورفع شأنه لأنهما جهة واحدة، وليس الرسولصلى الله عليه واله سوى وسيلة إلى الله، كما أن القبلة بذاتها ليست هدفا، وإنما هي وسيلة للعبادة، ونجد هذا المعنى جليا في كثير من الآيات القرآنية، ومن جملتها قوله تعالى وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً [آل عمران: ١٠٣]، وحبل الله هو الرسول والأئمة عليهم السلام، ولاختصاص العبودية بالله نستطيع القول بأن الضمير في كلمتي وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ يعود على الرسولصلى الله عليه واله، بينما يعود في كلمة وَتُسَبِّحُوهُ على الله مباشرة، وفي الآية اللاحقة بيان وتأكيد لهذه الفكرة، يقول تعالى إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ فالمبايعة لله، ولكنها تمر عن طريق الرسول صلى الله عليه واله، وغايتها إظهار الولاء التام للقيادة، والتعهد بالاستمرار في خطها، ولعل الكلمة مأخوذة من البيع فيكون معنى البيعة أن يبيع أفراد المجتمع المسلم أو التجمع الرسالي ما لديهم من طاقات وإمكانات مادية ومعنوية لقيادتهم بإزاء رضوان الله، وليس بالضرورة أن تتم البيعة بسلام الرجال على الرسول مصافحة، ووضع النساء أيديهن في الماء، كما تم عند البيعة للرسولصلى الله عليه واله أو للإمام عليعليه السلام في الغدير، بل يمكن أن تتم عن طريق القسم الحركي، أو بالوكالة بأن يبايع الأفراد نائب القائد، أو حتى بالكتابة، لأن المهم إظهار الاستعداد والالتزام بالطاعة بوضوح.
قال جابر بن عبد الله رضي الله عنه: [بَايَعَنَا رَسُولُ الله تَحْتَ الشَّجَرَةِ عَلَى المَوْتِ، وَعَلَى أَنْ لَا نَفِرَّ] [١]. وكان الرسول صلى الله عليه واله الذي يمثل الله يضع يده على أيدي المؤمنين في البيعة، وقد أكد ربنا لنبيِّه أنه سيكون بالمرصاد لكل من تسوِّل له نفسه الخيانة.
يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ أي قوته وقدرته أعلى من كل أحد فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ لأنه سوف يضع نفسه في موضع المحارب لله ذي القوة والطول، ولن تقتصر خسارته على الآخرة وحسب، بل سوف يخسر في الدارين، وعلى عكسه الذي يلتزم بالعهد ويتم البيعة فإنه يجني السعادة في الدنيا والآخرة وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً.
[١] تفسير الكشاف للزمخشري: ج ٤ ص ٣٣٥.