من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٧٠ - إنا أرسلناك شاهدا
لهم ثمرات الفتح المبين. فهو صلى الله عليه واله لايمثل شخصه، وإنما يمثل رسالته وربه، ومن ثم فإن بيعته والخضوع لأوامره ليس إلا لله عزَّ وجلَّ، وبهذه المناسبة يكشف السياق عن واقع المنافقين بأنهم انتهازيون، ويبحثون عن مصالحهم فقط، فتراهم يتبعون القائد مادام ذلك لا يتعارض مع مصالحهم، وإلا تمردوا عليه بمختلف الأعذار، ولقد أمرهم النبي صلى الله عليه واله بالتوجه إلى مكة فنكصوا على أعقابهم خوفا من عواقب ما عَدُّوه مغامرة غير محسوبة، وعندما عاد المسلمون إلى المدينة فاتحين رجعوا إلى صفوف الأمة على جسر من الأعذار، ولم يكن ذلك إلا لأن خط الرسالة فرض نفسه على الواقع.
ولكن ربنا لا يدع الأمر هكذا دون قيد يفرضه عليهم، وبصيرة يهدي بها الرسول القائد والمؤمنين من حوله في التعامل مع هذا الطراز من الناس، وإنما يشترط لقبول توبتهم أن تكون توبة نصوحا تحكيها أعمالهم وممارساتهم، وتتجلى في مواجهاتهم اللاحقة مع الكفار، التي ينبغي أن يثبتوا فيها جدارتهم للانتماء إلى خط الرسالة وتجمع المؤمنين، أما مجرد الكلام وإلقاء الأعذار فلا يمكنه إعادتهم إلى الصف الإسلامي أبدا.
بينات من الآيات
[٨] إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً والشاهد: الحاضر، فكيف ينسحب هذا المعنى على القائد؟ إن الشاهد هو الحاضر الذي يكون سلوكه مقياسا للحق، وشهادة الرسول على الأمة حجيته، وكونه المقياس العملي للخير والفضيلة، والميزان الواقعي للضلالة والهدى، وليس المراد من شهادته صلى الله عليه واله حضوره الجسدي بين المسلمين، وإلا لما كان ذلك يحتاج إلى الإرسال من قبل الله باعتباره تحصيل حاصل، ثم إن هذه الشهادة لا تنحصر زمنيا بوجوده المادي، وإنما تشمل البشرية التي أرسل إليها جيلا بعد جيل، وزمنا بعد زمن.
ولكي يتضح معنى شهادة الرسول القائد صلى الله عليه واله لا بد من الحديث عن صفتين تجسدانها من صفاته، هما: دعوته الناس إلى الرسالة عن طريق كلامه وبيانه، والأخرى دعوته لهم من خلال سلوكه وعمله، وذلك بصنعه واقعا يتأثر به المجتمع من حوله، ومثال ذلك أنه صلى الله عليه واله حينما يوقع على صلح الحديبية، ويقبل بمحو اسم (رسول الله) من الوثيقة تكتيكيا، فلكي يستمر الصلح بفوائده استراتيجيا، وحينما يقود جيشا لِجَباً إلى المعركة، وحينما يصلي خاشعا لربه، وحينما يعفو ويسامح، و ..، كل هذه السلوكيات تؤثر واقعيا على المجتمع، وتدفعه دفعا قويا من الأعماق للتأسي بصاحبها واتباعه، إذن فالقيادة قبل أن تكون منصبا سياسيا واجتماعيا، وقبل أن تكون قرارا من أعلى، هي- في الواقع- مبادرة وواقع عملي، والأئمة عليهم السلام أكثر ما أمروا