من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٧١ - إنا أرسلناك شاهدا
أصحابهم وأتباعهم بالعمل لا بالكلام، والإمام الصادق عليه السلام يقول
[كُونُوا دُعَاةً لِلنَّاسِ بِغَيْرِ أَلْسِنَتِكُمْ]
[١] يعني بسلوككم وعملكم، لأن ذلك أمضى أثرا في واقع الناس ونفوسهم، وأكبر دلالة على خط الإنسان وفكره، ولقد قرأنا في الدرس السابق كيف أن الرسولصلى الله عليه واله حينما أمر المسلمين بحلق رؤوسهم ونحر بدنهم رفض أكثرهم فبادر شخصيا إلى ذلك فتهافتوا للحلق والنحر.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى إن ألفاظ الرسالة تتعرض للتلاعب من قبل المنافقين، كما أنها تحتمل التأويل والتفسير، بينما الشهادة العملية تبقى حجة جلية بالغة، لا تحتمل أكثر من تفسيرها الواقعي، فلو أمر الرسول صلى الله عليه واله الناس بالصدق وبالأمانة بمجرد الكلام، دون أن يجسد لهم هذين المعنيين، لكان الكثير من المسلمين يكذب أو يخون، ويفسر ذلك بأنه الصدق والأمانة اللذان أمر بهما الرسول، ولكن الرسولصلى الله عليه واله قال وعمل فكان عمله أكبر مفسر لقوله.
إن الرسولصلى الله عليه واله يصبح شاهدا وقائدا للمسلمين، وتصبح سيرته منهجا للأجيال بعد الأجيال، حينما يجمع أصحابه ويذهب إلى مكة فيتهرَّب جمع منهم، وينسلُّون من جيشه لِواذاً خشية الإبادة، فإنه يصنع واقعا حيا، أو حين ينصرف من الخندق مع المسلمين، ويضع عنه اللامة، ويغتسل، ويستحم، فينزل عليه جبرائيل ويقول له
[عَذِيْركَ مِنْ مُحَارِبٍ أَلَا أَرَاكَ قَدْ وَضَعْتَ عَنْكَ اللَّامَةَ وَمَا ضَعَنَّاهَا بَعْدُ]
[٢]. فإذا به يثب صلى الله عليه واله للجهاد، ويتبعه المسلمون، ويحارب بني قريظة.
هذه المواقف الواقعية هي التي تترك أثرها البالغ في نفوس الناس والأجيال، فهذه سيرة رسول الله صلى الله عليه واله تلهم المسلمين جيلا بعد جيل العزم والاستقامة، لأنه لم يكن شاهدا بكلامه وحسب، وإنما بعمله وسلوكه لقد كان شاهدا في كل حقل، مبادرا في كل مكرمة، صانعا للأحداث، مقتحما غمار الصعاب، وحتى في الحروب كان القائد الشاهد، والى الحد الذي قال عنه بطل الإسلام علي بن أبي طالب عليه السلام
[كُنَّا إِذَا احْمَرَّ البَأْسُ اتَّقَيْنَا بِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه واله فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنَّا أَقْرَبَ إِلَى العَدُوِّ مِنْهُ] [٣].
والرسالي الصادق هو الذي يشهد على عصره، وتفسر مواقفه العملية كلماته المضيئة.
[٩- ١٠] ويجري السياق في بيان أهداف البعثة لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ الذي طاعته
[١] الكافي: ج ٢ ص ٧٨.
[٢] تفسير القمي: ج ٢ ص ١٨٩، بحار الأنوار: ج ٢٠ ص ٢٠٩.
[٣] نهج البلاغة: حكمة: ٩.