من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٦٤ - إنا فتحنا لك فتحا مبينا
اقتصادهم واجتماعهم وحكمهم إيمانيا، وتصبح سياستهم وشؤونهم العسكرية مبنية على أساس الإيمان، وهذا من زيادة الإيمان.
وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وهو ينصر المؤمنين، إما عن طريق تثبيتهم وتقوية عزائمهم بإنزال السكينة في قلوبهم، وإما عن طريق جنود من عنده مباشرة كالملائكة والظواهر التي تقوم الملائكة بتدبيرها.
وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً فهو لا ينصر المؤمنين أو يبعث السكينة في قلوبهم ويزيدهم إيمانا إلا بحكمة بالغة، ولو أنهم لم يجاهدوا لما حصلوا على كل ذلك.
[٥] وهدف المؤمنين من الانتصار والفتح يجب أن لا يكون إسقاط الحكم الفاسد واغتنام الأنفال، أو أن يتحولوا من حركة إلهية إلى حركة ثقافية مترفة، أو حركة سياسية متقلبة، إنما الهدف الأسمى من ذلك هو دخولهم الجنة، كما يقول تعالى لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزاً عَظِيماً إذن فالهدف الأسمى ليس النصر أو الفتح، والقرآن يعبِّر عن هذه الفكرة في سورة الصف بصيغة أخرى إذ يقول يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢) وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ [الصف: ١٠- ١٣].
[٦] وكما أن جزاء المؤمنين الحقيقي ليس هو انتصارهم على عدوهم، فإن جزاء أعدائهم ليس سقوطهم من سدة الحكم، ولا ما يلقونه من العذاب علي أيدي المؤمنين وحسب، وإنما جزاؤهم الحقيقي عذاب الله الدائم في الآخرة.
وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ فهم محاطون بالشر من كل جانب، كما تحيط الدائرة بمركزها وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً.
[٧] وفي خاتمة الدرس يؤكد ربنا قوته وحكمته التي يدبِّر بها شؤون الخلق وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً وهدف هذا التأكيد على قدرة الله بعث روح الأمل بالنصر والفتح في نفوس المؤمنين، حيث يشعرهم الرب بأن جند الله الذين لا يحصر عددهم كالملائكة والسنن الطبيعية و ... كلهم يقفون صفا واحدا إلى جانبهم وهم يجاهدون في سبيله، فهم على خلاف أعدائهم الذين يحوطهم الشر كالدائرة.