من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٦٠ - إنا فتحنا لك فتحا مبينا
القانون في صلح الحديبية، حيث إن رسولنا الأكرم صلى الله عليه واله كان قد قتل منهم في بدر وأحد والأحزاب، وغنم أموالهم، وأسر رجالهم، بل وغيَّر أوضاعهم، فهو كان عندهم مذنبا، وجاء الصلح ليطوي هذه الصفحة من أذهان المشركين، ويصيِّرهم في سلام مع المسلمين.
أما أن يكون معنى الذنب هو ظاهر الكلمة فإن ذلك لا يليق بمقام الأنبياء، وبالذات مقام أعظمهم شأنا وأرفعهم منزلة عندالله، وحاشا لله أن يبعث رسولا يرتكب الذنوب، كما إنه من الخطأ أيضا القول بأن الله أعطى الرسول صك الغفران، إذ كيف يرفع المسؤولية عن أحد بدون مبرر؟ وهل بينه وبين أحد من خلقه قرابة حتى يفعل ذلك؟ أوَلَم يقل في شأن رسوله صلى الله عليه واله وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ (٤٤) لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ [الحاقة: ٤٤- ٤٧]. بلى؛ هناك بعض الفرق الصوفية هي التي تعتقد بأن الإنسان يصل إلى مستوى من العبودية والوعي بحيث ترفع عنه المسؤولية، حتى قال قائل منهم لأتباعه: أنتم تجب عليكم الصلاة، أما أنا فقد وصلت إلى مقام فوق الصلاة!.
إن الإسلام لا يرى نهاية للمسؤولية إلا باليقين (الموت)، وهذا هو القرآن يخاطب الرسول صلى الله عليه واله- مع أنه انتهى إلى غاية الكمال البشري- بأنه يحتاج إلى المزيد من الصلاة والتقرب إلى الله عز وجل أَقِمْ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً (٧٨) وَمِنْ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً [الإسراء: ٧٨- ٧٩].
ويقول القرآن في هذه السورة لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ والغفران هنا من باب الوعد وليس الحتم والإلزام مما يقتضي الاستغناء عن الاستغفار، ولو كان كذلك لاقتضى الأمر تغيير الآية الكريمة فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [محمد: ١٩]، والحال أنه تعالى يأمر رسوله بالاستغفار لنفسه وللمؤمنين من حوله. إذ مع غض النظر عن مقام الألوهية الذي يقتضي الاستغفار لقصور العبد مهما سما في الكمال فإن التبعات (السياسية والاجتماعية) تحدث بصورة مستمرة ما دامت الدعوة الجديدة تتسع وما دامت تعالج كل يوم اعوجاجا بشريا. وربما يكون وَمَا تَأَخَّرَ إشارة لذلك. ومن المعلوم أن التَّبعات التي تتوالد عند الكفار أو المنافقين تحدث من أفعال الرسول صلى الله عليه واله في التبليغ أو أفعال المؤمنين الملتزمين بنهجه في التبليغ ومعالجة الانحرافات، وقد أشارت بعض الروايات إلى هذا، أي أن الذنوب المتأخرة هي للمؤمنين، وبهذا الفهم لا ينشأ إشكال صك الغفران المسبق. وفي مناخ هذه الآيات يُحتمل أن يكون أحد تخوم آية وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ، والمراد من الذنب، في هذا الإطار أيضا، مما يعني أن على القيادة الرسالية أن تولي الاهتمام