الصحيح من سيرة الإمام علي (عليه السلام) - العاملي، جعفر مرتضى - الصفحة ٤٩
ولكن علياً (عليه السلام) آثر أن يبطل الشبهة في مضمونها العلمي.
وأن يقتلعها من جذورها، لكي لا تترك أي أثر سلبي على أهل الإيمان، بحيث تبقى عالقة في أذهانهم.. وتضعف إيمانهم، ويقينهم.
ولأجل ذلك، لم يكتف (عليه السلام) بالبيان الكلامي، الذي يعتمد على الإستحضار الذهني للصور، بل بادر إلى إحضار العناصر نفسها لكي يتلمس الحاضر والناظر المعنى فيها بصورة محسوسة، يستغني بها عن الصور التي يحتاج لبذل جهد إضافي لاستحضارها، وللاحتفاظ بها، والمحافظة عليها في مواقعها، فلا تنفلت منه، ولا تختلط عليه.
فأحضر (عليه السلام) الزند والحجر، ولم يكتف ببيان فكرته وتطبيقها عليهما. بالإشارة إليهما. بل قدح منهما النار أيضاً.
ثم لم يكتف بذلك لبيان فكرته، بل دعا ذلك الرجل للمس الزند والحجر، ليتحسس وجود الحرارة فيها، وعدم وجودها.
فإذا لم يجد الحرارة، في الزند والحجر، فسيجد جوابه مباشرة، فإن النار قد خرجت من الزند والحجر بلا ريب. وها هو يلمسهما بيده، فلا يجد حرارة النار.
إذن فمن الذي قال: إن تلك الجمجمة لا تعذب بنار لا يراها ولا يلمسها ذلك الرجل، بل هي كامنة فيها كمون النار في الزند والحجر؟! أي أنه (عليه السلام) أفهمه أن الموجود الحسي ليس هو كل شيء، بل هناك أنحاء وجودات أخرى لا ينالها الحس.