الصحيح من سيرة الإمام علي (عليه السلام) - العاملي، جعفر مرتضى - الصفحة ٢٥٧
ونقول:
أولاً: إن الوليد حين أظهر أنّه يريد من علي (عليه السلام) أن يراعي رضى الله تعالى فيه، وأن يراعي أيضاً حرمة الرحم، فإنّه قد عبر عن أمرين:
أحدهما: أنّه يرى: أن لله تعالى حرمة، وأن رضاه تعالى مطلوب، وكذلك الحال بالنسبة للرحم، فإن لها حرمة أيضاً. وهذا أمر إيجابي، وهو صحيح في نفسه، سواء أصدق فيه ابن عقبة، أم لم يصدق..
الثاني: أنّه أراد أن يستفيد من هذا الأمر الصحيح في اتجاه مخالف لرضا الله ولصلة الرحم، ألا وهو تعطيل حدود الله تبارك وتعالى، وتشجيع العصاة على الإستمرار في معاصيهم.
كما أنّه يتضمن قطيعة للرحم، لأن تشجيع الأقارب على المنكر لا يعد صلة لهم، بل هو قطيعة وعقوق، وجناية عليهم.
فجاء جواب علي (عليه السلام) للوليد حاملاً لخصوصيتين أيضاً، إحداهما ترضي الوليد، والأخرى تغضبه، وهو كلام حق وصحيح في نفسه، وصحيح في موقعه أيضاً. فقد قال له:
ألف: أسكت. وهي كلمة لا يرضاها لنفسه الوليد، المعتاد على تزلف المتزلفين، ولكنها تعبر عن واقع لا بدّ من حصوله، لأن ما ينطق به الوليد ما هو إلا كلمة حق يراد بها باطل.
ب: ثم خاطبه (عليه السلام) بكنيته التي ترضي غروره، ليتجانس مع ظاهر كلام الوليد المخالف لباطنه، لأنه بمطالبته علياً (عليه السلام) برعاية رضا الله وحق الرحم، أراد أن يجعل ذلك ذريعة لحمل علي (عليه السلام)