عدالة الصحابة - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٢٩٤
فما وجه الأمر بالكتمان لو كان هؤلاء الرهط من أوساط الناس، ومن حلفاء الأنصار ونحوهم، كما روى ابن سعد أنّهم لم يكونوا من قريش بل من الأنصار وحلفائهم؟!
لا ريب أنّ علّة الأمر بالكتمان ظاهرة في كون هؤلاء الرهط هم ممّن يحسب على النبيّ (صلى الله عليه وآله) بصحبة خاصّة، ممّن يؤدّي فضحه وكشفه ـ لا سيّما بمثل هذا الفعل الشنيع المنكر، الذي هو على أُصول الكفر الباطني ـ إلى حدوث بلبلة واضطراب في أوساط الناس وعامّتهم ممّن لا يعرف من الإسلام إلاّ رسمه، ومن الدين إلاّ طقوساً ظاهرية..
فحفاظاً منه (صلى الله عليه وآله) على عدم إثارة الفتنة بين عامّة الناس بذلك، وعدم تزلزل إسلامهم أمر بالكتمان ; ولا سيّما أنّ قوله تعالى في الآية السابقة لهذه الآيات: ( يا أيّها النبيّ جاهد الكفّار والمنافقين واغلُظ عليهم ومأواهم جهنّمُ وبئس المصير )[١] في تفسير أهل البيت (عليهم السلام) ـ كما روى ذلك الطبرسي في مجمع البيان[٢]، وغيره من مفسّـري الإمامية، وبطرق مسـندة عنهم (عليه السلام) ـ: " جاهد الكفّار بالمنافقين "، قالوا: لأنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) لم يكن يقاتل المنافقين وإنّما كان يتألّفهم ; لأنّ المنافقين لا يُظهرون الكفر، وعلْم الله تعالى بكفرهـم لا يبيح قتلهم إذا كانوا يُظهرون الإيمان. فعلى هذا التفسير كان (صلى الله عليه وآله) مأموراً بأن يستبقيهم ويجاهد بهم الكفار..
ثمّ أنّه من الغريب من ابن سـعد أنّه يروي أنّهم ليسوا من قريش بل من الأنصار وحلفائهم، ويروي ـ في الوقت نفسه ـ أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) لم يخبر بأسمائهم غير حذيفة، فكيف نفى كونهم من قريش؟!
[١] سورة التوبة (براءة) ٩: ٧٣.
[٢] مجمع البيان ٥ / ٧٧.