الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٢١ - التّفسير
سلوك ذلك الطريق.
و تشير الآية التالية إلى الأمر الحتمي الذي به تطوى آخر صفحات مشوار الحياة الدنيا: ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ.
و من المعلوم أنّ «الإماتة» من اللّه تعالى و الدفن على ظاهره من عمل الإنسان، و لمّا كانت عملية الدفن تحتاج إلى نسبة من الذكاء و العقل بالإضافة إلى توفر بعض المستلزمات الضرورية لذلك، فقد نسب الدفن «فأقبره» إلى اللّه تعالى.
و قيل: نسب اللّه ذلك إليه، باعتبار تهيئة الأرض قبرا للإنسان.
قيل: تمثل الآية حكما شرعيا، و أمرا إلهيا في دفن الأموات.
و على أيّة حال، فالدفن من عناية و لطف و تكريم اللّه للإنسان، فلولا أمره سبحانه بالدفن لبقيت أجساد الإنسان الميتة على الأرض و تكون عرضة للتعفن و التفسخ و طعما للحيوانات الضارية و الطيور الجارحة، فيكون الإنسان و الحال هذه في موضع الذّلة و المهانة، و لكنّ لطف الباري عزّ و جلّ على الإنسان في حياته و بعد مماته أوسع ممّا يلتفت فيه الإنسان لنفسه أيضا.
و حكم دفن الأموات (بعد الغسل و التكفين و الصلاة)، يبيّن لنا ... إنّه ينبغي على الإنسان أن يكون طاهرا محترما في موته، فكيف به يا ترى و هو حيّ؟! و ذكر الموت في الآية باعتباره نعمة ربّانية، أضفى بها الباري على الإنسان ..
و بنظرة تأملية فاحصة سنجد حقيقة ذلك، فالموت في حقيقة عبارة عن:
أوّلا: مقدمة للخلاص من أتعاب و صعاب هذا العالم، و الانتقال إلى عالم أوسع.
ثانيا: فسح المجال لتعاقب الأجيال على الحياة الدنيا لمتابعة مشوار التكامل البشري بصورة عامّة، و لولا الموت لضاقت الأرض بأهلها، و لما كان ممكنا أن تستمر عجلة الحياة على الأرض.