الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٩٨ - جزاء المكذبين بالمعاد
حول الشمس و الحركات الأخرى و التي كانت غير مكتشفة زمن نزول القرآن.
و لكن بملاحظة الآية الأخرى أي أَحْياءً وَ أَمْواتاً يتضح أنّ التفسير الأوّل أنسب، و يؤيد ذلك قول أمير المؤمنين علي عليه السّلام عند رجوعه من صفين و وصوله قرب الكوفة، حيث قال و هو ينظر إلى مقبرة خارج الكوفة: «هذه كفات الأموات» أي مساكنهم. ثم نظر إلى منازل الكوفة فقال: «هذه كفات الأحياء» ثم تلا هذه الآيات: أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً أَحْياءً وَ أَمْواتاً [١].
ثمّ يشير تعالى إلى إحدى النعم الإلهية العظيمة في الأرض، فيضيف:
وَ جَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ [٢] هذه الجبال التي قاربت بارتفاعها السماء، و اتصلت أصولها بالبعض الآخر قد لزمت الأرض كالدرع من جهة لحفظها من الضغط الداخلي و الضغوط الناتجة من الجزر و المد الخارجي، و من جهة أخرى تمنع اصطكاك الرياح مع الأرض حيث تمدّ قبضتها في الهواء لتحركه حول نفسها و كذلك تنظم حركة الأعاصير و الرياح من جهة ثالثة، و لهذا تكون الجبال باعثة على الاستقرار لأهل الأرض.
و في آخر الآية إشارة إلى إحدى البركات الأخرى للجبال فيضيف تعالى:
وَ أَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً ماءا سائغا لكم و باعثا للحياة، و لحيواناتكم و لبساتينكم.
صحيح أنّ كل ماء مستساغ هو من المطر، و لكن للجبال الدور الأهم في الإيفاء بهذا الغرض، فإنّ كثيرا من العيون و القنوات هي من الجبال، و مصدر الأنهار العظيمة هي من الجليد المتراكم على قمم الجبال، حيث تعتبر من الذخائر المائية المهمّة للإنسان، إنّ قمم الجبال تكون باردة على الدوام لبعدها عن سطح الأرض، و لهذا فإنّها تحافظ على الجليد المتراكم عليها لآجال طويلة حتى تتأثر
[١]- تفسير البرهان، ج ٤، ص ٤١٧ (نقلا عن تفسير علي بن إبراهيم).
[٢]- «رواسي»: جمع راسية، و هي الثابتات، و (شامخات) جمع شامخ، أي عال، و تأتي بعض العبارات كالقول (شمخ بأنفه) كناية عن التكبر (مفردات الراغب).