الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٨٩ - إنّ سمعنا الحقّ فأطعناه
و لكن مؤمني الجن يوضحون في قولهم هذا أنّهم يملكون الإختيار و الحرية، و فيهم الصالح و الطالح، و هذا يوفرّ لهم الأرضية للهداية، و أساسا فإنّ أحد العوامل المؤثرة في التبليغ هو إعطاء الشخصية للطرف المقابل، و توجيهه إلى وجود عوامل الهداية و الكمال في نفسه.
و احتمل أيضا أنّ الجن قالوا ذلك لتبرئة ساحتهم من موضوع الإساءة في مسألة استراق السمع أي: و إن كان منّا من يحصل على الأخبار عن طريق استراق السمع و وضعها بأيدي الأشرار لتضليل الناس، و لكن لا يعني ذلك أنّ الجن كلهم كانوا كذلك، و لهذه الآية تأثير في إصلاح ما اشتبه علينا نحن البشر في عقائدنا حول الجن، لأنّ كثير من الناس يتصورون أنّ لفظة الجن تعني الشيطنة و الفساد و الضلال و الانحراف، و سياق هذا الآية يشير إلى أنّ الجن فصائل مختلفة، صالحون و طالحون.
«قدد» على وزن (ولد) و هو جمع قد، على وزن (ضد) و تعني المقطوع، و تطلق على الجماعات المختلفة، لأنّها تكون على شكل قطع منفصلة عن بعضها.
و في إدامة حديثهم يحذرون الآخرين فيقولون: وَ أَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَ لَنْ نُعْجِزَهُ هَرَباً و إذا كنتم تتصورون أنّكم تستطيعون الفرار من جزاء و تلتجئون إلى زاوية من زوايا الأرض أو نقطة من نقاط السماوات فإنّكم في غاية الخطأ.
و على هذا الأساس، فإنّ الجملة الأولى إشارة إلى الفرار من قبضة القدرة الإلهية في الأرض، و الجملة الثّانية إشارة إلى الفرار المطلق، الأرض و السماء.
و يحتمل أن يكون تفسير الآية هو أنّه الجملة الأولى إشارة إلى أنّه لا يمكن الغلبة على اللّه، و الجملة الثّانية إشارة إلى أنّه لا يمكن الفرار من قبضة العدالة، فإذا لم يكن هناك طريق للغلبة و لا للفرار، فلا علاج إلّا التسليم لأمر اللّه تعالى و عدالته.