الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤١١ - سبب النّزول
نفسه: يقول هؤلاء الصناديد، إنّما أتباعه العميان و العبيد، فأعرض عنه و أقبل على القوم الذين يكلمهم، فنزلت الآية.
و كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بعد ذلك يكرمه، و إذا رآه
قال: «مرحبا بمن عاتبني فيه ربّي»، و يقول له: «هل لك من حاجة».
و استخلفه على المدينة مرّتين في غزوتين [١].
و الرأي الثّاني في شأن نزولها: ما
روي عن الإمام الصادق عليه السّلام: «إنّها نزلت في رجل من بني اميّة، كان عند النّبي، فجاء ابن ام مكتوم، فلما رآه تقذر منه و جمع نفسه عبس و أعرض بوجهه عنه، فحكى اللّه سبحانه ذلك، و أنكره عليه» [٢].
و قد أيّد المحقق الإسلامي الكبير الشريف المرتضى الرأي الثّاني.
و الآية لم تدل صراحة على أنّ المخاطب هو شخص النّبي الكريم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و لكنّ الآيات (٨- ١٠) في السورة يمكن أن تكون قرينة، حيث تقول: وَ أَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى وَ هُوَ يَخْشى فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى، و النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم خير من ينطبق عليه هذا الخطاب الربّاني.
و يحتجّ الشريف المرتضى على الرأي الأوّل، بأنّ ما في آية عَبَسَ وَ تَوَلَّى لا يدل على أنّ المخاطب هو النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، حيث أنّ العبوس ليس من صفاته مع أعدائه، فكيف به مع المؤمنين المسترشدين! و وصف التصدّي للأغنياء و التلهي عن الفقراء ممّا يزيد البون سعة، و هو ليس من أخلاقه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم الكريمة، بدلالة قول اللّه تعالى في الآية (٤) من سورة (ن)، و التي نزلت قبل سورة عبس، حيث وصفه الباري: وَ إِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ.
و على فرض صحة الرأي الأوّل في شأن النزول، فإنّ فعل النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و الحال هذه لا يخرج من كونه (تركا للأولى)، و هذا ما لا ينافي العصمة،
[١]- تفسير مجمع البيان، ج ١٠، ص ٤٣٧.
[٢]- المصدر السابق.