الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٧٩ - تحذير مع بيان السبيل!!
و العجيب أنّهم قاسوا روح النّبي صلّى اللّه عليه و آله العظيمة بهذا المقياس! و لم ينتبه هؤلاء الغافلين إلى اليوم الثقيل الذي ينتظرهم، ثقيل من حيث العقوبات، ثقيل من حيث المحاسبة، و ثقيل من حيث طول الزمان و شدّة الفضيحة.
و قد جاء التعبير ب (وراءهم) مع أنّ المفروض أن يقال (أمامهم) لأنّهم نسوا ذلك اليوم، و كأنّهم تركوه وراءهم، و لكن على قول بعض المفسّرين أنّ كلمة (وراء) تستعمل أحيانا بمعنى «خلف» و أحيانا بمعنى «أمام» [١].
الآية التالية تحذرهم من الاغترار بقوتهم و قدرتهم، إذ أنّ اللّه الذي أعطاهم إيّاها قادر على أن يستردها بسرعة متى شاء، فيقول تعالى: نَحْنُ خَلَقْناهُمْ وَ شَدَدْنا أَسْرَهُمْ وَ إِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْدِيلًا [٢].
(أسر) على وزن (عصر) و أصله الربط بالقيد، و لهذا سمي الأسير بهذا الاسم لربطه و شدّه، و هنا إشارة إلى استحكام خلقة الإنسان بحيث يقدر على مزاولة مختلف النشاطات و الفعاليات المهمّة.
هنا يشير القرآن إلى نقطة حساسة، و هي الأعصاب الصغيرة و الكبيرة التي تشدّ العضلات فيما بينها كالحبال الحديدية و تربط بعضها بالبعض الآخر، و حتى المفاصل و العضلات المختلفة و قطع العظام الصغيرة و الكبيرة و أعضاء الإنسان بحيث يتكون من مجموع ذلك إنسان واحد مهيأ للقيام بأية فعالية، و على كل حال فهذه الجملة كناية عن القدرة و القوّة.
و توضّح هذه الآية ضمنا استغناء ذات اللّه المقدّسة، عنهم، و عن طاعتهم و إيمانهم، ليعلموا أنّ الإصرار على إيمانهم في الحقيقة هو من رحمة اللّه بهم.
[١]- جاء في تفسير (روح البيان) أن كلمة (وراء) إذا أضيفت إلى الفاعل فإنّها تعني الخلف، و إذا أضيفت إلى المفعول فإنّها بمعنى «الأمام» روح البيان، ج ٨، ص ٤٣٩.
[٢]- في هذه الآية حذف، و في التقدير (بدلناهم أمثالهم) كلمة (تبديل) غالبا ما تأخذ مفعولين و هنا الضمير (هم) مفعول أوّل و (أمثالهم) مفعول ثان.