الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤١٤ - عتاب ربّاني!
و تأتي العتاب مرّة اخرى تأكيدا: وَ أَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى، في طلب الهداية ...
وَ هُوَ يَخْشى [١]، فخشيته من اللّه هي التي دفعته للوصول إليك، كي يستمع إلى الحقائق ليزكّي نفسه فيها، و يعمل على مقتضاها.
فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى [٢].
و يشير التعبير ب «أنت» إلى أنّ التغافل عن طالبي الحقيقة، و مهما كان يسيرا، فهو ليس من شأن من مثلك، و إن كان هدفك هداية الآخرين، فبلحاظ الأولويات، فإنّ المستضعف الظاهر القلب و المتوجه بكلّه إلى الحقّ، هو أولى من كلّ ذلك الجمع المشرك.
و على أيّة حال: فالعتاب سواء كان موجه إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أو إلى غيره، فقد جاء ليكشف عن اهتمام الإسلام أو القرآن بطالبي الحق، و المستضعفين منهم بالذات.
و على العكس من ذلك حدّة و صرامة موقف الإسلام و القرآن من الأثرياء المغرورين إلى درجة أنّ اللّه لا يرضى بإيذاء رجل مؤمن مستضعف.
و علّة ذلك، إنّ الطبقة المحرومة من الناس تمثل: السند المخلص للإسلام دائما ... الأتباع الأوفياء لأئمّة دين الحق، المجاهدين الصابرين في ميدان القتال و الشهادة، كما تشير إلى هذا المعنى
رسالة أمير المؤمنين عليه السّلام لمالك الأشتر: «و إنّما عماد الدين و جماع المسلمين و العدّة للأعداء العامّة من الأئمّة، فليكن صغوك لهم و ميلك معهم» [٣].
(١)- يراد بالخشية هنا: الخوف من اللّه تعالى، الذي يدفع الإنسان ليتحقق بعمق وصولا لمعرفته جلّ اسمه، و كما يعبر المتكلمون عنه ب .. وجوب معرفة اللّه بدليل دفع الضرر المحتمل.
و احتمل الفخر الرازي: يقصد بالخشية، الخوف من الكفّار، أو الخوف من السقوط على الأرض لفقدانه البصر. و هذا بعيد جدّا.
(٢)- «التلهي»: من (اللهو). و يأتي هنا بمعنى الغفلة عنه و الاستغفال بغيره، ليقف في قبال «التصّدي».
(٣)- نهج البلاغة، الرسالة ٥٣.