الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٩١ - الوعود الإلهية و جزاء المكذبين
الجبال ثمّ نسفها في الريح، و نستفيد من بعض آيات القرآن المجيد أنّ انقراض العالم يلازم وقوع حوادث مهولة بحيث يتلاشى نظام العالم بكامله. و حلول نظام الآخرة الجديد مكان ذلك النظام، و لا يمكن وصف تلك الحوادث بأي بيان لما فيها من الرعب و العجب، و هل يوصف حادث تنقلع فيه الجبال و تندك لتتحول إلى غبار و تكون كالصوف المنفوش؟! و كما يرى بعض المفسّرين أنّ هذه الحوادث عظيمة للغاية بحيث أنّ أشد الزلازل المهيبة في الدنيا بالنسبة لها كفرقعة صغيرة يفرقعها الأطفال للّعب بها مقابل أقوى قنبلة ذرية.
و على أي حال فإنّ هذه التعابير القرآنية تشير إلى الاختلاف الكبير بين أنظمة الآخرة و أنظمة الدنيا.
ثمّ أشار القرآن بعد ذلك إلى ما يجري في البعث، فيضيف: و في ذلك الوقت يتمّ تعيين وقت للأنبياء و الرسل ليأتوا إلى ساحة المحشر و يدلوا بشهادتهم: وَ إِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ [١] و هو كقوله: فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَ لَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ. [٢] ثمّ يضيف تعالى: لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ [٣]، أي لماذا تمّ تأخير هذه الشهادة و لأي وقت؟ ثم يقول: لِيَوْمِ الْفَصْلِ يوم فصل الحق عن الباطل، فصل صفوف المؤمنين عن الكافرين، و الأبرار عن الأشرار، و يوم حكم اللّه المطلق على الجميع، و قد جاء هذا الحوار لبيان عظمة ذلك اليوم، و يا له من تعبير بليغ عميق لذلك اليوم، .. إنّه «يوم الفصل»!!.
ثمّ يبيّن عظمة ذلك اليوم أيضا، فيقول تعالى: وَ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الْفَصْلِ
[١]- (أقّتت) أصلها (وقّتت) من مادة (وقت) إذ أن الواو المضمومة بدلت إلى الهمزة، و يعني توقيت الوقت لرسل اللّه تعالى، و هذا واضح إذ لا يعين لهم وقت بل يتعيّن لعملهم، أي لشهادتهم على الأمم، و لذا قيل إن في الآية حذفا.
[٢]- الأعراف، الآية ٦.
[٣]- طبقا لهذا التفسير فإن الضمير في (أجلت) يعود إلى شهادة الأنبياء و الرسل على الأمم، و هو ما يستفاد منه في الآية السابقة، و قيل إنّه يعود إلى جميع الأمور المرتبطة بالأنبياء و ما أعطوا من الأخبار بالثواب و العقاب و حوادث القيامة و غيرها، و قيل: إنّها إشارة إلى جميع الأمور التي وردت في الآيات السابقة كظلام النجوم و غيرها، و لكن من الواضح أن التّفسير الأوّل أنسب، لأنّ مرجع الضمير في الآية متصل بذلك.