الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١١١ - ١- تحقيق موسّع حول علم الغيب
المعصومين عليهم السّلام بأسرار الغيب هي على حدّ التواتر، أمّا كيف نجمع بين هذه الآيات و الرّوايات التي ينفي بعضها علم الغيب لغير اللّه و إثبات البعض الآخر لغيره تعالى؟ هناك طرق مختلفة للجمع بينها:
١- أشهر طرق الجمع هو أنّ المراد من اختصاص علم الغيب باللّه تعالى هو العلم الذاتي و الاستقلالي، و لهذا لا يعلم الغيب إلّا هو، و ما يعلمونه فهو من اللّه، و ذلك بلطفه و عنايته، و الدليل على هذا الجمع هو تلك الآية التي بحثت من قبل و التي تقول: عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ.
و قد أشير إلى هذا المعنى
في نهج البلاغة عند ما كان أمير المؤمنين عليه السّلام يخبر عن الحوادث المقبلة (و هو يتصور هجوم المغول على البلاد الإسلامية) فقال أحد أصحابه: يا أمير المؤمنين، هل عندك علم الغيب؟ فتبسّم أمير المؤمنين عليه السّلام و قال: «ليس هو بعلم غيب، إنّما هو تعلم من ذي علم». [١]
و قد وافق على هذا الجمع كثير من العلماء المحققين.
٢- أسرار الغيب قسمان: قسم خاص باللّه عزّ و جلّ لا يعلمه إلّا هو كقيام الساعة، و غيرها ممّا يشابه ذلك، و القسم الآخر علّمه الأنبياء و الأولياء، كما
يقول علي عليه السّلام في نهج البلاغة في ذيل تلك الخطبة المشار إليها: «و إنّما علم الغيب علم الساعة، و ما عدده اللّه سبحانه بقوله: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَ يُنَزِّلُ الْغَيْثَ، وَ يَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ، وَ ما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً وَ ما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ [٢].
ثمّ أضاف الإمام عليه السّلام في شرح هذا المعنى.
يمكن لبعض الناس أن يعلموا بزمان وضع الحمل أو نزول المطر و مثل ذلك علما إجماليا، و أمّا العلم التفصيلي و التعرف على هذه الأمور فهو خاص بذات
[١]- نهج البلاغة، الخطبة ١٢٨.
[٢]- المصدر السّابق.