الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٦٦ - النظرة الصائبة لمسألة «الجبر و الإختيار»
بحرية الإنسان ...
ثمّ إن كنّا قد جعلنا على أعمالنا جبرا، فهل يبق للتوبة من معنى؟! و لم الحسرة و الحال هذه؟! بل إنّ محاكمة الظالم ظلم واضح، و الأكثر ظلما معاقبته؟!! و كلّ ما ذكر يدلل على أنّ حرية الإرادة و عدم الجبر أصل تحكم به الفطرة الإنسانية، و هو ما ينسجم تماما و الوجدان البشري العام، و الكل يعمل على ضوء هذا الأصل، و لا فرق في ذلك بين عوام الناس أو خواص العلماء و الفلاسفة، و لا يستثنى من ذلك حتى الجبريين أنفسهم، و كما قيل في هذا الجانب: (الجبريون اختياريون من حيث لا يعلمون).
و القرآن الكريم حافل بما يؤكّد هذه الحقيقة، و نظرا لكثرة الآيات التي تؤكّد على حرية إرادة الإنسان- مضافا الى الآية المبحوثة: فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ مَآباً- سنكتفي بذكر ثلاث آيات من القرآن الحكيم.
ففي الآية (٣) من سورة الدهر: إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَ إِمَّا كَفُوراً.
و في الآية (٢٩) من سورة الكهف، يقول تعالى: فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَ مَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ.
و جاء في الآية (٢٩) من سورة الدهر أيضا: إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا.
الحديث حول (الجبر و التفويض) طويل جدّا، و قد كتبت في ذلك كتب و مقالات عديدة، و ما ذكرناه لا يتعدى كونه إلقاء نظرة سريعة و مختصرة على ضوء (القرآن) و (الوجدان)، و نختم الحديث بذكر ملاحظة مهمّة و هي: إنّ الدوافع النفسية و الاجتماعية قد اختلطت مع الاستدلال الفلسفي عند الكثيرين ممن يقولون بالجبر.
فكثير ممن اعتقدوا بالجبر، أو (القضاء و القدر) بمعناه الجبري إنّما توسلوا به للفرار من المسؤولية: أو أنّهم جعلوها غطاء لفشلهم الناتج عن تقصيرهم