الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٩٦ - جزاء المكذبين بالمعاد
و قدرته و كثرة مواهبه في هذا العالم المليء بالأسرار، ليفهموا قدرة اللّه تعالى على المعاد و البعث من جهة و أنّهم غارقون في نعمه اللامتناهية من جهة أخرى، فيقول تعالى: أَ لَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ أي تافه و حقير فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ [١].
مقرّ فيه ضمان لجميع ظروف الحياة و التربية و النمو و المحافظة على نطفة الإنسان، فهو عجيب و ظريف و موزون بحيث يثير إعجاب كل إنسان.
ثمّ يضيف تعالى: أنّ بقاء النطفة في ذلك المكان المكين و المحفوظ إنّما هو لمدة معينة: إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ.
مدة لا يعلمها إلّا اللّه تعالى، مدة مملوءة بالتغيرات و التحولات الكثيرة بحيث ترتدي النطفة في كل يوم لباسا جديدا من الحياة يؤدي به إلى التكامل في داخل ذلك المخبأ.
ثمّ يستنتج من قدرته تعالى على خلق الإنسان الكامل و الشريف من نطفة حقيرة بأن اللّه تعالى نعم القادر: فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ [٢] [٣] و هذا الدليل اعتمده القرآن مرات عديدة لإثبات مسألة المعاد منها قوله تعالى في أول سورة الحج: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَ غَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَ نُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ... ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَ أَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى وَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
[١]- (قرار): هو محل الاستقرار و (مكين) يعني محفوظ، و أصله من المكانة المشتقة من التمكن (و تأتي المكانة أحيانا بمعنى المنزلة).
[٢]- للآية حذف تقديره (فنعم القادرون نحن) أي أن المحذوف هو المخصوص بالمدح.
[٣]- قال بعض المفسّرين إن معنى الآية هكذا: (إنا قدرنا النطفة بمقاييس ضرورية و مقادير مختلفة، و خصوصيات في جسم الإنسان و روحه، فنعم القادرون) و لكن هذا المعنى يبدو بعيدا لأن متن القرآن و القراءة المعروفة له غير مشددة و لذا يبدوا بعيدا و إن قال بعض إن المادة الثلاثية المجردة وردت بمعنى التقدير، و لكن في الاستعمالات العادّية لا تستعمل كلمة (قادر) بهذا المعنى.