الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٠٢ - لا قدرة لهم للدفاع و لا طريقا للفرار
و الوهمية، نعم، إنّ ذلك الدخان المظلم تجسيد لظلمات الشهوات.
ثمّ يضيف وصفا آخر لتلك النار المحرقة: إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ [١] ليس كشرر نار هذه الدنيا التي لا تكون أحيانا إلّا بمقدار رأس الإبرة، التعبير ب «القصر» هنا تعبير مليء بالمعنى، و ربّما يتوهّم أحد أنّه لو قيل شرر كالجبل كان أنسب، و لكن لا ينبغي نسيان أنّ الجبال كما أشير إليها في الآيات السابقة هي أساس أنواع البركات و عيون المياه العذبة و السائغة، و لكن قصور الظالمين هي التي تكون منشأ للنيران المحرقة و الشرر المتطاير منها [٢].
ثمّ ينتهي في الآية الأخرى إلى وصف آخر من أوصاف هذه النّار المحرقة، فيقول تعالى: كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ [٣].
«جماله»: جمع «جمل»، و هو البعير (مثل الحجر و الحجارة) و «صفر»- على وزن قفل- جمع أصفر و يطلق أحيانا على اللون الداكن المائل إلى الأسود، و لكنّ الأوّل يبدو أنسب، لأنّ شرر النّار يكون أصفر مائلا إلى الحمرة، و في الآية السابقة شبّه حجم الشرر بالقصر الكبير، و في هذه الآية من حيث الكثرة و اللون و السرعة و الحركة و التفرق الجميع الجهات شبهها بمجموعة من الجمال الصفر المتجهة إلى كل صوب.
و إذا كان الشرر هكذا، فكيف بنفس النّار المحرقة، و ما جعل من العذاب الأليم في تلك النّار؟! و يعود مرة أخرى في آخر قسم من الآيات لينبّه بذلك التنبيه المكرر، فيقول:
[١]- (شرر): على وزن (ضرر) جمع شرارة، و هو ما يتطاير من النّار، و أخذت من مادة (الشر).
[٢]- نقل بعض المفسّرين كالفخر الرازي عن ابن عباس في تفسير «القصر» فقال: أعواد في الصحراء كانوا يقطعونها ثمّ يجمعوها و يضعوها فوق بعض للشتاء (لا يستبعد هذا التفسير أيضا و ذلك لما كانوا يشبهون الأعواد المجموعة و المتراصة بالقصر العالي).
[٣]- لعلّ ضمير (كان) يعود على (قصر) أو إلى (الشرر) و بما أنّ (شرر) بصيغة الجمع فلا يمكن ذلك من دون تأويل إلّا أن نجعل (شرر) اسم جمع.