الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١١٣ - ١- تحقيق موسّع حول علم الغيب
إمكان معرفتهم لها.
و هذا في الحقيقة كمن يسلم رسالة بيد شخص ما ليوصلها إلى آخر، و يمكن القول هنا: إنّ الشخص الموصل لها لا يعلم بمحتوى الرسالة، و لكن يمكنه فتحها و التعرف على ما فيها إذا ما حصل على الموافقة على قراءتها، ففي هذه الصورة يمكن القول على أنّه عالم بمحتوى الرسالة، و ربّما لا يسمح له ذلك.
و الدليل على هذا الجمع هو ما نقرأه في الرّوايات المنقولة في كتاب الكافي للكليني رحمه اللّه في باب (أنّ الأئمّة إذا شاءوا أن يعلموا اعلموا) و منها
في حديث ورد عن الإمام الصّادق عليه السّلام قال: «إذا أراد الإمام أن يعلم شيئا أعلمه اللّه ذلك». [١]
و هذا الوجه من الجمع يمكن أن يحلّ الكثير من المشاكل المتعلقة بعلم النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و الأئمّة عليهم السّلام، منها أنّهم كانوا يتناولون مثلا الغذاء المسموم في حين أن تناول ما يؤدي بالإنسان إلى الهلاك غير جائز، فكيف يكون ذلك؟ فلهذا يجب القول: إنّ في مثل هذه الموارد ما كان يسمح لهم معرفة أسرار الغيب.
و هكذا تقتضي المصلحة أحيانا في ألّا يتعرّف النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أو الإمام على أمر من الأمور، أو يعرض إلى اختبار ليتكامل بتجاوزه مرحلة الاختبار، كما جاء في قصّة ليلة المبيت عند ما بات الإمام علي عليه السّلام في فراش النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و هو لا يعلم هل أنّ الإمام عليه السّلام سوف ينجو من المشركين عند ما يهجمون على أم يستشهد، فالمصلحة هنا تقتضي ألّا يعلم الإمام عاقبة هذا الأمر ليتحقق الاختبار الإلهي، و إذا كان الإمام بنجاته عند هجوم القوم عليه لم يكن له حينئذ أيّ، و لم يكن ما ذكر في الآيات الكريمة و الرّوايات في أهمية هذا الإيثار محل من الاعراب.
نعم، إنّ مسألة العلم الإرادي هي جواب لكلّ هذه الإشكالات.
٥- هناك طريق آخر أيضا لجمع الرّوايات المختلفة في علم الغيب (و إن كان
[١]- كتاب الكافي باب (أنّ الأئمّة إذا شاءوا أن يعلموا أعلموا) الحديث ٣، و نقلت روايات عديدة في هذا الباب بنفس المضمون.