الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٦٠ - قم و انذر النّاس
و بعبارة أخرى: لا تمنن على اللّه بقيامك بالإنذار و دعوتك إلى التوحيد و تعظيمك للّه و تطهيرك ثيابك و هجرك الرجز، و لا تستعظم كل ذلك، بل أعلم أنّه لو قدمت خدمة للناس سواء في الجوانب المعنوية كالإرشاد و الهداية، أم في الجوانب المادية كالإنفاق و العطاء فلا ينبغي أن تقدمها مقابل منّة، أو توقع عوض أكبر ممّا أعطيت، لأنّ المنّة تحبط الأعمال الصالحة: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَ الْأَذى [١].
«لا تمنن» من مادة «المنّة» و تعني في هذه الموارد الحديث عن تبيان أهمية النعم المعطاة للغير، و هنا يتّضح لنا العلاقة بينه و بين الاستكثار، لأنّ من يستصغر عمله لا ينتظر المكافأة، فكيف إذن بالاستكثار، فإنّ الامتنان يؤدي دائما إلى الاستكثار، و هذا ممّا يزيل قيمة النعم، و ما جاء من الرّوايات يشير لهذا المعنى:
«لا تعط تلتمس أكثر منها» [٢]
كما
جاء في حديث آخر عن الإمام الصادق عليه السّلام في تفسير الآية: «لا تستكثر ما عملت من خير للّه» [٣]
و هذا فرع من ذلك المفهوم.
و يشير في الآية الأخرى إلى الأمر الأخير في هذا المجال فيقول: وَ لِرَبِّكَ فَاصْبِرْ، و نواجه هنا مفهوما واسعا عن الصبر الذي يشمل كلّ شيء، أي اصبر في طريق أداء الرسالة، و اصبر على أذى المشركين الجهلاء، و استقم في طريق عبودية اللّه و طاعته، و اصبر في جهاد النفس و ميدان الحرب مع الأعداء.
و من المؤكّد أنّ الصبر هو ضمان لإجراء المناهج السابقة، و المعروف أنّ الصبر هو الثروة الحقيقية لطريق الإبلاغ و الهداية، و هذا ما اعتمده القرآن الكريم
[١]- البقرة، ٢٦٤.
[٢]- نور الثقلين، ج ٥، ص ٤٥٤، و تفسير البرهان، ج ٤، ص ٤٠٠.
[٣]- المصدر السابق.