الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٨٨ - لا داعي للغرور
و يضع طوق عبودية المعبود الأحد في رقبته، و إلّا فالهلاك الحتمي.
و تتناول الآية التالية منشأ الغرور و الغفلة: كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ.
فالكرم الإلهي، و لطف الباري منعمه ليست بمحفز لغروركم، و لكنكم آليتم على عدم إيمانكم بالقيامة، فوقعتم بتلك الهاوية الموهمة. [١] و لو دققنا النظر في حال المغرورين و الغافلين، لرأينا أنّ الشك بيوم القيامة أو إنكاره هو الذي استحوذ على قلوبهم و ما دونه مجرّد مبررات واهية، و من هنا يأتي لتشديد على أصل المعاد، فلو قوي الإيمان بالمعاد في القلوب لارتفع الغرور و انقشعت الغفلة عن النفوس.
«الدين»: يراد به هنا، الجزاء يوم الجزاء، و ما احتمله البعض من أنّه (دين الإسلام) فبعيد عن سياق حديث الآيات، لأنّها تتحدث عن «المعاد».
و تأتي الآيات التالية لتوضح أنّ حركات و سكنات الإنسان كلّها مراقبة و محسوبة و لا بدّ الإيمان بالمعاد و إزالة عوامل الغفلة و الغرور، فتقول .. وَ إِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ [٢].
و هؤلاء الحفظة لهم مقام كريم عند اللّه تعالى و دائبين على كتابة أعمالكم:
كِراماً كاتِبِينَ.
يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ.
و «الحافظين»: هم الملائكة المكلفون بحفظ و تسجيل أعمال الإنسان من خير أو شرّ، كما سمّتهم الآية (١٧) من سورة (ق) بالرقيب العتيد: ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ، كما و ذكرتهم الآية (١٦) من نفس السورة:
[١]- «كلا» حرف ردع لإنكار شيء ذكر و توهم، لكن ... أي إنكار قصدته الآية؟ ثمة احتمالات عديدة للمفسرين في ذلك، و أهمها ما ذكر أعلاه، أي أن «كلا» جاءت لتنفي كل أسباب و منابع الغرور و الغفلة و تجعلها في إنكار القيامة و التكذيب به فقط.
و هو ما ورد بعد «بل» و هذا ما اختاره الراغب في مفردات (في مادة: بل)، و قال بعد ذكره للآية: قيل ليس هاهنا ما يقتضي أن يغرهم به تعالى و لكن تكذيبهم هو الذي حملهم على ما ارتكبوه.
[٢]- قيل: إن «الواو» هنا حالية، كما في روح المعاني و روح البيان، و لكن احتمال كونها (استئنافية) أقرب للحال.