الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦١ - خلقكم اللّه من الأرض كالنبات
لطيفة يشير إلى العلاقة القريبة بينهما، و هكذا كان نوح عليه السّلام يوضح لمخالفيه أمر التوحيد بالاستدلال عن طريق نظام الخلقة و يستدل كذلك بها على المعاد.
ثمّ يعود مرّة أخرى إلى آيات الآفاق و علامات التوحيد في هذا العالم الكبير، و يتحدث عن نعم وجود الأرض فيقول: وَ اللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطاً [١].
ليست هي بتلك الخشونة بحيث لا يمكنكم الانتقال و الاستراحة عليها، و ليست بتلك النعومة بحيث تغطسون فيها، و تفقدون القدرة على الحركة، ليست حارقة و ساخنة بحيث تلقون مشقّة من حرّها، و ليست باردة بحيث تتعسر حياتكم فيها، مضافا إلى ذلك فهي كالبساط الواسع الجاهز المتوفر فيه جميع متطلباتكم المعيشية.
و ليست الأراضي المسطحة كالبساط الواسع فحسب، بل بما فيها من الجبال و الوديان و الشقوق المتداخلة بعضها فوق البعض و التي يمكن العبور من خلالها.
لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلًا فِجاجاً.
«فجاج» على وزن (مزاج)، و هو جمع فج، و بمعنى الوادي الفسيح بين الجبلين، و قيل الطريق الواسعة [٢].
و بهذا فإنّ نوح عليه السّلام يشير في خطابه تارة إلى العلامات الإلهية في السماوات و الكواكب و السماوية، و تارة أخرى إلى النعم الإلهية الموجودة في البسيطة، و ثالثة الى وجود الإنسان الذي يعتبر بحدّ ذاته دليل على معرفة اللّه تعالى و إثبات المعاد، و لكن لم تؤثر أي من هذه الإنذارات و البشائر و الرغائب و الاستدلالات المنطقية في قلوب هؤلاء القوم المعاندين الذين استمروا
[١]- بساط من أصل بسط بمعنى و بسط الشيء، و لهذا فإنّ كلمة «بساط» تطلق على كل شيء واسع و أحد مصاديقها «البساط».
[٢]- مفردات الراغب، مادة (فج).