الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٤٥ - فاقرؤوا ما تيسر من القرآن
هذه الآية ناسخة لحكم صدر السورة أم لا، و كذلك في مكّيتها أو مدنيتها، و يتّضح لنا جواب هذه الأسئلة بعد تفسير الآية.
فيقول تعالى: إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَ نِصْفَهُ وَ ثُلُثَهُ وَ طائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَ اللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ [١].
الآية تشير إلى نفس الحكم الذي أمر به الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في صدر السورة من قيام الليل و الصلاة فيه، و ما أضيف في هذه الآية هو اشتراك المؤمنين في العبادة مع النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم (بصيغة حكم استحبابي أو باحتمال حكم وجوبي لأنّ ظروف صدر الإسلام كانت تتجاوب مع بناء ذواتهم و الاستعداد للتبليغ و الدفاع عنه بالدروس العقائدية المقتبسة من القرآن المجيد، و كذا بالعمل و الأخلاق و قيام الليل، و لكن يستفاد من بعض الرّوايات أنّ المؤمنين كانوا قد وقعوا في إشكالات ضبط الوقت للمدة المذكورة (الثلث و النصف و الثلثين) و لذا كانوا يحتاطون في ذلك، و كان ذلك يستدعي استيقاظهم طول الليل و القيام حتى تتورم أقدامهم، و لذا بني هذا الحكم على التخفيف، فقال: عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ.
«لن تحصوه»: من (الإحصاء) و هو عد الشيء، أي علم أنّكم لا تستطيعون إحصاء مقدار الليل الذي أمرتم بقيامه و الإحاطة بالمقادير الثلاثة.
و قال البعض: إنّ معنى الآية أنّكم لا تتمكنون من المداومة على هذا العمل طيلة أيّام السنة، و لا يتيسر لعامّة المكلّفين إحصاء ذلك لاختلاف الليالي طولا و قصرا، مع وجود الوسائل التي توقظ الإنسان.
و المراد ب فَتابَ عَلَيْكُمْ خفف عليكم التكاليف، و ليس التوبة من الذنب، و يحتمل أنّه في حال رفع الحكم الوجوبي لا يوجد ذنب من الأساس، و النتيجة
[١]- يجب الالتفات إلى أنّ (نصفه) و (ثلثه) معطوف على أدنى و ليس على (ثلثي الليل) فيكون المعنى أنّه يعلم أنّك تقوم بعض الليالي أدنى من ثلثي الليل أو نصفه أو ثلثه،. كذا الالتفات إلى أن أدنى تقال لما يقرب من الشيء، و هنا إشارة إلى الزمن التقريبي.