الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥١ - ٢- لماذا الفرا من الحقيقة؟
ملاحظتان
١- أسلوب الإبلاغ و منهجه
ما جاء في هذا الآيات حول دعوة نوح يمثل برنامج عام لجميع المبلغين في طريق اللّه، و في نفس الوقت تسلية النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و أصحابه المؤمنين القلائل الذين كانوا قد التفوا حوله في مكّة.
إنّه عليه السّلام لم يكن يتوقع أن يستجيب الناس لدعوته، و لم يكونوا يجتمعون في وسط المدينة ليلقي فيهم خطابه الإلهي بهدوء و اطمئنان، و الناس يصغون إليه، و يشخصون إليه أعينهم، بل يستفاد من سياق الآيات (كما جاء أيضا في بعض الرّوايات) أنّه كان أحيانا يذهب إلى بيوتهم، أو أنّه يدعوهم في الأزقة و الأسواق على انفراد، و يبلغهم المفاهيم و يتحدّث إليهم بتودد و تحبب و تصبر، و أحيانا كان يخاطبهم بأوامر اللّه تعالى علنا و بصوت عال، و ذلك باغتنامه فرص انعقاد المحافل أو مجالس العزاء، فكان يقابل بالإهانة و الاستهزاء و أحيانا بالضرب المبرح، و لكنّه مع ذلك كان لا ينتهي عن ذلك و يواصل مسيره.
كان صبره عجيبا، و الأعجب ما فيه رأفته، و كانت همته و استقامته الفريدة رأس ماله في السير في طريق الدعوة إلى دين الحق.
و الأعجب من ذلك هو أنّ طيلة دعوته التي دامت (٩٥٠) عاما لم يؤمن به إلّا ثمانون شخصا، و لو قسمنا هذه المدّة على عدد الأنفار يتّضح لنا أنّ مدّة هدايته لكل فرد دامت اثنتي عشرة سنة تقريبا!! لو كان المبلّغون يتعاملون بمثل هذه الاستقامة و الهمة لأصبح الإسلام عالميا غني المحتوى.
٢- لماذا الفرا من الحقيقة؟
يتعجب الإنسان أحيانا و يتساءل هل يمكن أن يكون هناك أناس يعيشون