الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦٩ - على الفاسدين و المفسدين أن يرحلوا
ثمّ يستدل نوح عليه السّلام للعنه القوم فيقول: إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَ لا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً، و هذا يشير إلى أنّ دعاء الأنبياء و من بينهم نوح عليه السّلام لم يكن ناتجا عن الغضب و الانتقام و الحقد، بل إنّه على أساس منطقي، و أنّ نوحا عليه السّلام ليس ممن يتضجر و يضيق صدره لأوهن الأمور فيفتح فمه بالدعاء عليهم. بل إنّ دعا عليهم بعد تسعمائة و خمسين عاما من الصبر و التألم و الدعوة و العمل المضني.
و لكن كيف عرف نوح عليه السّلام أنّهم لن يؤمنوا أبدا و أنّهم كانوا يضللون من كان على البسيطة و يلدون أولادا فجرة و كفّارا.
قال البعض: إنّ ذلك ممّا أعطاه اللّه تعالى من الغيب، و احتمل أنّه أخذ ذلك عن طريق الوحي الإلهي حيث يقول اللّه تعالى: وَ أُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ. [١] [٢] و يمكن أن يكون نوح قد توصل إلى هذه الحقيقة بالطريق الطبيعي و الحسابات المتعارفة، لأنّ القوم الذين بلّغ فيهم نوح عليه السّلام تسعمائة و خمسين عاما بأفصح الخطب و المواعظ لا أمل في هدايتهم، ثمّ إنّ الغالبية منهم كانوا من الكفار و الأثرياء و هذا ممّا كان يساعدهم على إغواء و تضليل الناس، مثل أولئك لا يلدون إلّا فاجرا كفّارا و يمكن الجمع بين هذه الاحتمالات الثّلاثة.
«الفاجر»: يراد به من يرتكب ذنبا قبيحا و شنيعا.
«كفّار»: المبالغ في الكفر.
في غرائب القران، ج ٢، ص ٤٦٥، تفسير الفخر الرازي، ذيل هذه الآيات).
[١]- هود، ٣٦.
[٢]- ورد هذا المعنى أيضا في الرّوايات كما في تفسير الثقلين، ج ٥، ص ٤٢٨.