الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤١٩ - التّفسير
لقد خلقه من نطفة قذرة حقيرة، ثمّ صنع منه مخلوقا موزونا مستويا قدّر فيه جميع أموره في مختلف مراحل حياته: مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ.
فلم لا يتفكر الإنسان بأصل خلقته؟! لم ينسى تفاهة مبدأه؟! ألّا يجدر به أن يتأمل في قدرة الباري سبحانه، و كيف جعله موجودا بديع الهيئة و الهيكل من تلك النطفة الحقيرة القذرة!! ألا يتأمل!! ..
فالنظرة الفاحصة الممعنة في خلق الإنسان من نطفة قذرة و تحويله إلى هيئته التامّة المقدرة من كافة الجهات، و مع ما منحه اللّه من مواهب و استعدادات ... لأفضل دليل يقودنا بيسر إلى معرفته جلّ اسمه.
«قدّره»: من (التقدير)، و هو الحساب في الشيء ... و كما بات معلوما أنّ أكثر من عشرين نوعا من الفلزات و أشباه الفلزات داخلة في التركيب (البيولوجي) للإنسان، و لكلّ منها مقدارا معينا و محسوبا بدقّة متناهية من حيث الكمية الكيفية، بل و يتجاوز التقدير حدّ البناء الطبيعي للبدن ليشمل حتى الاستعدادات و الغرائز و الميول المودعة في الإنسان الفرد، بل و في المجموع العام للبشرية، و قد وضع الحساب في مواصفات تكوينية ليتمكن الإنسان بواسطتها من الوصول إلى السعادة الإنسانية المرجوة.
و تتجلّى عظمة تقدير الخالق سبحانه في تلك النطفة الحقيرة القذرة التي تتجلّى بأبهى صورها جمالا و جلالا، حيث لو جمعنا الخلايا الأصلية للإنسان (الحيامن) لجميع البشر، و وضعناها في مكان واحد، لكانت بمقدار حمصة! نعم ...
فقد أودعت في هذا المخلوق العاقل الصغير كلّ هذه البدائع و القابليات.
و قيل: التقدير بمعنى التهيئة.
و ثمّة احتمال آخر، يقول التقدير بمعنى إيجاد القدرة في هذه النطفة المتناهية في الصغر.