الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٤ - الطمع الواهي في الجنّة
الغرور؟ و يجيب ثانيا على المستهزئين بالمعاد فيقول: إذا كنتم في شك من المعاد فتمعنوا في حال هذه النطفة، و انظروا كيف خلقنا موجودا بديعا من قطرة ماء قذرة يتطور فيها الجنين كلّ يوم يتّخذ شكلا جديدا، أ لم يقدر خالق الإنسان من هذه النطفة أن يعيد إليه الحياة بعد دفنه.
ثالثا: كيف يطمعون في الجنّة و في صحائفهم كل هذه الذنوب؟ لأنّ الموجود الذي خلق من نطفة لا يمكن أن يكون له قيمة مادية، و إذا كانت له قيمة و كرامة فإنّ ذلك لإيمانه و عمله الصالح، و أولئك قد فقدوا هذه الصفات، فكيف ينتظرون الدخول إلى الجنّة؟! [١] ثمّ يقول تعالى مؤكّدا ذلك: فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَ الْمَغارِبِ إِنَّا لَقادِرُونَ عَلى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ وَ ما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ.
لعل هذه الجملة إشارة إلى أنّنا لسنا قادرين على أن نعيد لهم الحياة بعد الموت فحسب، بل إنّنا نستطيع أن نبدله إلى أكمل الموجودات و أفضلها، و لا يمنعنا من ذلك شيء.
و على هذا فإنّ السياق هو إدامة لبحث المعاد، أو هو إشارة إلى أنّنا نهلككم جزاء لأعمالكم و لا يمنعنا من ذلك شيء، و نستبدل بكم مؤمنين و أعين، ليكونوا أنصارا للنّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و لا يضرّنا ذلك شيئا، و لهذا إن كنّا نلح عليكم أن تؤمنوا فليس من باب العجز و الاحتياج، بل من أجل تربية البشرية و هدايتها.
يمكن أن يكون المراد ب- بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَ الْمَغارِبِ بأن اللّه الذي يقدر على أن يجعل للشمس العظيمة مشرقا و مغربا جديدين في كل يوم، و يكون بنظام دقيق من دون أية زيادة و نقصان مدى ملايين السنين قادر على أن يعيد الإنسان
[١]- هناك احتمالات أخرى في تفسير هذه الآية: أنّ المراد من جملة «ممّا يعلمون» هو أنّنا خلقناهم و وهبنا لهم العقل و الشعور لا كالحيوانات و البهائم، و لهذا فإنّهم مسئولون عن أعمالهم، و هناك مراد آخر و هو أنّنا خلقناهم لأهداف هم يعلمونها و هي التكليف و الطاعة، و لكن هذه الاحتمالات بعيدة، و لذا فإنّ أكثر المفسّرين ذهبوا إلى المعنى المذكور سابقا.