الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٢٢ - التّفسير
و أشارت الآيات (٢٦- ٢٨) من سورة الرحمن إلى نعمة الموت، بالقول:
كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ وَ يَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَ الْإِكْرامِ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ؟! فالموت على ضوء الآية المباركة من مفردات النعم الكبيرة للباري جلّ شأنه على البشرية.
نعم .. فالدنيا و جميع ما تحويه من نعم ربّانية لا تتعدى كونها سجن المؤمن، و الخروج منها إطلاق سراح من هذا السجن الكئيب.
و إذا كانت النعم سببا لوقوع الإنسان في غفلة عن اللّه، فالموت خير رادع لا يقاظه و تحذيره من الوقوع في ذلك الشرك، فهو و الحال هذه نعمة جليلة الشأن.
أضف إلى ذلك كلّه، إنّ الحياة لو دامت فسوف لا يجني الإنسان منها سوى الملل و التعب، فهي ليست كالآخرة التي تحمل بين ثناياها النشاط و السعادة الأبدية.
و ينتقل البيان القرآني إلى يوم القيامة: ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ.
«أنشره»: من (النشر)، بمعنى الانبساط بعد الجمع، فالكلمة تشير بأسلوب بلاغي رائع إلى جمع كلّ حياة الإنسان عند الموت لتنشر في محيط أكبر و أعلى (يوم القيامة).
و مع أنّ الآية السابقة لم تشر إلى مشيئة اللّه في عمليتي الموت و الإقبار ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ، إلّا أنّ «النشر» قد اقترن بمشيئته سبحانه في الآية المبحوثة ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ .. يمكن حمل ذلك على كون إشارة لعدم معرفة أيّ مخلوق بوقت حدوث يوم القيامة، و أمّا الموت فهو معروف إجمالا، حيث كلّ إنسان يموت بعد عمر طبيعي.
و تأتي الآية الأخيرة من الآيات المبحوثة لتبيّن لنا ما يؤول إليه الإنسان من ضياع في حال عدم اعتباره بكلّ ما أعطاه اللّه من المواهب، فالرغم من حتمية