حكم النبى الأعظم - محمدی ریشهری، محمد - الصفحة ١٧٩ - ٥ ليلة القدر واختلاف المناطق
المسألة إلى تبلور عدد من النظريات، نشير لها كما يلي:
١. النظرية المنسوبة إلى مشهور فقهاء الإمامية، فيما يذهب إليه هؤلاء من عدم تساوي بداية الشهور القمرية فيجميع البلدان، بل يعدّ اتحاد الافق[١] بينها شرطا في ثبوت الهلال. والنتيجة الّتي تترتّب على هذه النظرية، أنَّ ليلة القدر لن تكون واحدة في جميع المناطق والبلدان.
٢. ما ذهب إليه عدد من المحققين[٢]، من أنَّ بداية الشهور القمرية هي واحدة في جميعالمناطق، وعندئذٍ إذا ثبتشهر رمضان في منطقهفسيثبت في بقية المناطق أيضا[٣]. وَفقا للمبنى الّذي تستند إليه هذه النظرية، فإنّ ليلة القدر واحدة في جميع
[١] إلّا في الحالات الّتي يثبت فيها الهلال بالرؤية القطعية.
[٢] لو اختلف الافق وشوهد الهلال في البلاد الغربيّة فهل يكفي ذلك للشرقيّة كبلاد الشام بالإضافة إلى العراق أو لا؟
المعروف والمشهور هو الثاني، حيث ذهبوا إلى القول باعتبار اتّحاد الافق. وذهب جمع من المحقَّقين إلى الأوَّل وأنَّ الثبوت في قطر كافٍ لجميع الأقطار، منهم العلّامة في المنتهى، وصاحب الوافي والحدائق والمستند، والسيّد الخونساري وغيرهم، ومال إليه في الجواهر، واحتمله الشهيد في الدروس( مستند العروة الوثقى" كتاب الصوم": ج ٢ ص ١١٦).
[٣] علاوة على تمسّكه بإطلاق الروايات، استدلّ آية اللّه الخوئي رضوان اللّه عليه لإثبات هذه النظرية بمسألة نجومية، حيث ذهب إلى القول في هذا السياق:" إنَّ القمر في نفسهجرم مظلم وإنما يكتسب النور من الشمس نتيجة المواجهة معها، فالنصف منه مستنير دائما، والنصف الآخر مظلم كذلك، غير أنَّ النصف المستنير لا يستبين لدينا علىالدوام، بل يختلف زيادةً ونقصا حسب اختلاف سير القمر.
فإنَّه لدى طلوعه عن الافق من نقطة المشرق مقارنا لغروب الشمس بفاصل يسير في اللّيلة الرابعة عشرة من كلِّ شهر، بل الخامسة عشرة فيما لو كان الشهر تامّا يكون تمام النصف منهالمتّجه نحو الغرب مستنيرا حينئذٍ لمواجهته الكاملة مع النير الأعظم، كما أنّ النصف الآخر المتّجه نحو الشرق مظلم.
ثُمّ إنَّ هذا النور يأخذ في قوس النزول في اللّيالي المقبلة، وتقلُّ سعته شيئا فشيئا حسب اختلاف سير القمر إلى أن ينتهي في أواخر الشهر إلى نقطة المغرب بحيث يكون نصفه المنيرمواجها للشمس، ويكون المواجه لنا هو تمام النصف الآخر المظلم. وهذا هو الّذي يُعبَّر عنه بتحت الشعاع والمحاق، فلا يرى منه أيّ جزء؛ لأنَّ الطرف المستنير غير مواجه لنا لاكلّاً كما في اللّيلة الرابعة عشرة، ولا بعضا كما في اللّيالي السابقة عليها أو اللاحقة.
ثُمَّ بعدئذٍ يخرج شيئا فشيئا عن تحت الشعاع، ويظهر مقدار منه من ناحية الشرق ويُرى بصورة هلال ضعيف، وهذا هو معنى تكوُّن الهلال وتولُّده. فمتى كان جزء منه قابلًا للرؤية ولوبنحو الموجبة الجزئيَّة فقد انتهى به الشهر القديم، وكان مبدأً لشهر قمري جديد.
إذا فتكوُّن الهلال عبارة عن خروجه عن تحت الشعاع بمقدار يكون قابلًا للرؤية ولو في الجملة، وهذا كما ترى أمر واقعي وحداني لا يختلف فيه بلد عن بلد، ولا صقع عن صقع؛ لأنَّهكما عرفت نسبة بين القمر والشمس لا بينه وبين الأرض، فلا تأثير لاختلاف بقاعها في حدوث هذه الظاهرة الكونيَّة في جوِّ الفضاء.
وعلى هذا فيكون حدوثها بدايةً لشهر قمري لجميع بقاع الأرض على اختلف مشارقها ومغاربها وإن لم يرَ الهلال في بعض مناطقها لمانع خارجي من شعاع الشمس، أو حيلولة الجبالوما أشبه ذلك.
أجل، إنَّ هذا إنّما يتَّجه بالإضافة إلى الأقطار المشاركة لمحلِّ الرؤية في اللّيل ولو في جزء يسير منه بأن تكون ليلة واحدة ليلةً لهما وإن كانت أوَّل ليلة لأحدهما، وآخر ليلة للآخرالمنطبق طبعا على النصف من الكرة الأرضيَّة دون النصف الآخر الّذي تشرق عليه الشمس عندما تغرب عندنا، بداهة أنَّ الآن نهار عندهم فلا معنى للحكم بأنَّه أوَّل ليلة من الشهربالنسبة إليهم.
ولعلَّه إلى ذلك يشير سبحانه وتعالى في قوله:\i" رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَ رَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ"\E( الرحمن: ١٧) باعتبار انقسام الأرض بلحاظ المواجهة مع الشمس وعدمها إلى نصفين، لكلٍّ منهمامشرق ومغرب، فحينما تشرق على أحد النصفين تغرب عن النصف الآخر وبالعكس، فمن ثمَّ كان لها مشرقان ومغربان.
والشاهد على ذلك قوله سبحانه:\i" يا لَيْتَ بَيْنِي وَ بَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ"\E( الزخرف: ٣٨) الظاهر في أنَّ هذا أكثر بعدا وأطول مسافةً بين نقطتي الأرض، إحداهما مشرق لهذا النصف، والاخرى مشرق للنصف الآخر.
وعليه فإذا كان الهلال قابلًا للرؤية في أحد النصفين حُكم بأنَّ هذه اللّية أوَّل الشهر بالإضافة إلى سَكنة هذا النصف المشتركين في أنَّ هذه اللّيلة ليلة لهم، وإن اختلفوا من حيث مبدأ اللّيلة ومنتهاها ... إلى أن قال:
فمقتضى هذه الروايات الموافقة للاعتبار عدم كون المدار على اتّحاد الافق، ولا نرى أيَّ مقتضٍ لحملها على ذلك، إذ لم يذكر أيّ وجه لهذا التقييد عدا قياس أمر الهلال بأوقاتالصلوات الّذي عرفت ضعفه، وأنَّه مع الفارق الواضح بما لا مزيد عليه.
ويؤكده ما ورد في دعاء صلاة يوم العيد من قوله عليه السلام:" أسألك بحقّ هذا اليوم الّذي جعلته للمسلمين عيدا" فإنَّه يعلم منه بوضوح أنَّ يوما واحدا شخصيّا يشار إليه بكلمة( هذا) هوعيد لجميع المسلمين المتشتِّتين في أرجاء المعمورة على اختلاف آفاقها، لا لخصوص بلدٍ دون آخر.
وهكذا الآية الشريفة الواردة في ليلة القدر وأنَّها خير من ألف شهر، وفيها يفرق كلُّ أمرٍ حكيم، فإنَّها ظاهرة في أنَّها ليلة واحدة معيَّنة ذات أحكام خاصَّة لكافَّة الناس وجميع أهل العالم، لا أنَّ لكلِّ صقع وبقعة ليلة خاصّة مغايرة لبقعة اخرى من بقاع الأرض( مستند العروة الوثقى" كتاب الصوم": ج ٢ ص ١١٨ ١٢٢).