حكم النبى الأعظم - محمدی ریشهری، محمد - الصفحة ٣٥ - كلام في شرح حديث الصوم لي
كلام في شرح حديث" الصّوم لي"
قالَ أبو حامدٍ الغزّالي في شرح الحديث: إنّما كانَ الصومُ للّهِ ومشرّفا بالنسبةِ إليهِ وإن كانت العبادات كلّها له كماشرّف البيت بالنسبةِ إليهِ والأرض كلّها له لمعنيين:
أحدهما: أنّ الصوم كفّ وترك، وهو في نفسه سرّ ليس فيه عمل يشاهد، فجميع الطاعاتِ بمشهد من الخلق ومرأى، والصوم لا يعلمه إلّا اللّه تعالى؛ فإنّه عمل في الباطن بالصبر المجرّد.
والثاني: أنّه قهرٌ لعدوّ اللّه؛ فإنّ وسيلة الشيطان لعنه اللّه الشهوات، وإنّما يقوى الشهوات بالأكل والشرب؛ ولذلك قال صلى اللّه عليه و آله:" إنَّ الشَّيطانَ لَيَجري مِنِ ابنِ آدَمَ مَجرَى الدَّمِ؛ فَضَيِّقوا مَجارِيَهُ بِالجوعِ" ... فلمّا كان الصوم على الخصوص قمعا للشيطان وسدّا لمسالكه وتضييقا لمجاريه، استحقّ التخصيص بالنسبة إلى اللّه؛ ففي قمع عدوّ اللّه نصرة للّه، ونصرة اللّه للعبد موقوفة على النصرة له؛ قال اللّه:" إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَ يُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ"[١]؛ فالبداية بالجهدِ مِنَ العَبدِ، والجزاء بالهداية مِنَ اللّهِ؛ ولذلكَ قالَ:" وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا"[٢]، وقالَ:" إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ"[٣]؛ وإنّما التغيير بكسر الشهواتِ، فهي مرتعُ الشياطين ومرعاهم، فما دامت مخصبة لم ينقطع تردّدهم، وما داموا يتردّدون فلا ينكشف
[١] محمّد: ٧.
[٢] العنكبوت: ٦٩.
[٣] الرعد: ١١.