حكم النبى الأعظم - محمدی ریشهری، محمد - الصفحة ٣٦٣ - ج بحث تاريخي
من أقطار الأرض وآفاقها، ونهى عن استقبالها واستدبارها في حالات، ونَدَب إلى ذلك في اخرى، فاحتفظ على قلب الإنسان بالتوجّه إلى بيت اللّه، وأن لا ينسى ربّه في خلوته وجلوته، وقيامه وقعوده، ومنامه ويقظته، ونُسكه وعبادته حتّى في أخسّ حالاته وأردأها، فهذا بالنظر إلى الفرد.
وأمّا بالنظر إلى الاجتماع فالأمر أعجب والأثر أجلى وأوقع؛ فقد جَمعَ الناسَ على اختلاف أزمنتهم وأمكنتهم على التوجّه إلى نقطة واحدة، يمثّل بذلك وحدتهم الفكريّة وارتباط جامعتهم، والتئام قلوبهم. وهذا ألطف روح يمكن أن تنفذ في جميع شؤون الأفراد في حيويّتها المادّيّة والمعنويّة، تعطي من الاجتماع أرقاه، ومن الوحدة أوفاها وأقواها، خصّ اللّه تعالى بها عباده المسلمين، وحفظ به وحدة دينهم، وشوكة جمعهم، حتّى بعد أن تحزّبوا أحزابا، وافترقوا مذاهب وطرائق قِددا، لا يجتمع منهم اثنان على رأي، نشكر اللّه تعالى على آلائه.[١]
ج بحث تاريخيّ
من المتواتر المقطوع به أنّ الذي بنى الكعبة إبراهيم الخليل عليه السلام، وكان القاطنون حولها يومئذ ابنه إسماعيل وجُرهُم[٢] من قبائل اليمن، وهي بناء مربّع تقريبا وزواياها الأربع إلى الجهات الأربع تتكسّر عليها الرياح ولا تضرّها مهما اشتدّت.
ما زالت الكعبة على بناء إبراهيم حتّى جدّدها العَمالِقة ثمّ بنو جُرهُم (أو بالعكس) كما مرّ في الرواية عن أمير المؤمنين عليّ عليه السلام.
ثمّ لمّا آل أمر الكعبة إلى قُصيّ بن كِلاب أحد أجداد النبيّ صلى اللّه عليه و آله (القرن الثاني قبل
[١] الميزان في تفسير القرآن: ج ١ ص ٣٣٧.
[٢] جُرْهُم: حيّ من اليمن نزلوا مكّة وتزوّج فيهم إسماعيل بن إبراهيم عليهماالسلام، وهم أصهاره، ثمّ ألحدوا في الحرم فأبادهم اللّه تعالى( لسان العرب: ج ١٢ ص ٩٧).