ينابيع المودة لذو القربى - القندوزي، سليمان بن ابراهيم - الصفحة ٢٢٦ - الباب السبعون
الى لقاء اللّه تعالى و الثواب و خوفا من أليم العقاب، عظم الخالق في أنفسهم و صغر ما دونه في أعينهم، فهم و الجنّة كمن رآها، فهم على أرائكها متكئون و هم و النار كمن رآها فهم فيها معذّبون، صبروا أياما قليلة فأعقبتهم راحة طويلة، أرادتهم الدنيا فلم يريدوها، و طلبتهم الدنيا فامتنعوا عنها.
أمّا الليل فصافّون أقدامهم، تالون لأجزاء القرآن ترتيلا، يعظون أنفسهم بأمثاله، و يستشفون بلاءهم بدوائه تارة، و تارة يفترشون جباههم و أكفّهم و ركبهم و أطراف أقدامهم على الأرض، تجري دموعهم على خدودهم، يمجّدون جبارا عظيما، يلتجئون إليه في فكاك رقابهم، هذا ليلهم.
و أمّا النهار، فعلماء حكماء، بررة أتقياء، بادروا الى اللّه تعالى بالأعمال الزاكية، لا يرضون عنها هم بالقليل، و لا يستكثرونها بالجزيل، فهم لأنفسهم متهمون، و من أعمالهم مشفقون، و يرى لأحدهم قوة في دين، و حزما في لين، و إيمانا في يقين، و حرصا على علم، و فهما في فقه، و علما في حلم، و كيسا في قصد، و قصدا في غناء، و تحملا في فاقة، و صبرا في مشقة، و خشوعا في عبادة، و رحمة لجمهور، و عطاء في حقّ، و رفقا في كسب، و طلبا في حلال، و نشاطا في هدى، و اعتصاما في شهوة، و عمله الذكر، و همه الشكر، يبيت حذرا من سنة الغافلة، و يصبح فرحا بما أصاب من الفضل و الرحمة، و رغبته فيما يبقى، و زهادته فيما يفنى، قد قرن العلم بالعمل، و العلم بالحلم، دائما نشاطه، بعيدا كسله، قريبا أمله، قليل زلله، متوقع قلبه، شاكرا ربّه، مانعا نفسه، محرزا دينه، كاظما غيظه، آمنا منه جاره، سهلا أمره، معدوما كبره، بيّنا صبره، كثيرا ذكره، لا يعمل شيئا من الخير رياء و لا يتركه حياء، أولئك شيعتنا و أحبتنا، و منّا و معنا، آها شوقا إليهم.