منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٣٥٠ - خاتمة
غفلوا عن طيّبات يحرص عليها البالغون، و اقتصرت بهم المباشرة على طيّبات اللعب صاروا يتعجّبون من أهل الجدّ إذا زورّوا عنها عائفين لها عاكفين على غيرها، كذلك من غضّ النقص بصره عن مطالعة بهجة الحقّ أعلق كفّيه بما يليه من اللذّات لذّات الزور، فتركها في دنياه عن كره، و ما تركها إلّا ليستأجل أضعافها و إنّما يعبد اللّه تعالى و يطيعه ليخوّله في الاخرة شبعه منها فيبعث إلى مطعم شهىّ و مشرب هنىء و منكح بهىّ، و إذا بعثر عنه فلا مطمح لبصره في اولاه و اخراه إلّا إلى لذّات قبقبه و ذبذبه، و المستبصر بهداية القدس في شجون الإيثار قد عرف اللذّة الحقّ و ولّى وجهه سمتها مسترحما على هذا المأخوذ عن رشده إلى ضدّه، و إن كان ما يتوخاه بكدّه مبذولا له بحسب وعده.
١٥- التوبة و هي لا تنفك عمّن استبصر و إلّا فليس بمستبصر، و لا أنسى عذوبة كلام سيّدنا الاستاذ محمّد حسن الإلهى المقدّم ذكره قدّس سرّه، و لطافة بيانه في التوبة حيث قال: التوبة الحقيقيّة أن تتوب من خيرك و شرّك، و بعد تأمّل قليل قلت له: أمّا التوبة من الشرّ فلا كلام فيها، و أما التوبة من الخير فما مراد جنابك منها؟
فقال رضوان اللّه عليه: ما نحسبها خيرا من صلاتنا و صيامنا و قراءتنا القرآن و دراستنا و غيرها لو تأمّلنا فيها لرأيناها مخدجة غير كاملة- و هم يحسبون أنهم يحسنون صنعا- فيجب على المستبصر أن يتوب من هذه الأعمال الناقصة، و أن يقصد الإتيان بها على النحو الكامل الّذي يتقبّل اللّه و انما يتقبّل اللّه من المتقين، فما حسبناه خيرا ليس بخير حقيقة، فطوبى لمن وفّق بالتوبة ممّا حسبه خيرا و عمل ما هو خير واقعا.
و التوبة تذهب بدرن القلب، و تزيل رينه فإذا يستبصر التائب بدائه و دوائه و يخرج من ذنوبه كيوم ولدته امّه، قال الامام الباقر ٧: التائب من الذنب كمن لا ذنب له، و إذا تخلّصت النفس من الرذائل و تنزهت من أوساخ الذنوب فقد قبلت توبته، و أمّا البحث الكلامى عن التوبة فقد أشبعنا الكلام فيه في شرحنا على المختار ٢٣٥ من خطب النهج من كتابنا تكملة منهاج البراعة (ص ١٧١- إلى- ٢٠١