منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٢١٤ - رسالة منفردة في لقاء الله تعالى
أعجز و أجهل و أشدّ حيرة. انتهى.
قال الغزالي في الإحياء في بيان الوجه الأخير من التوحيد: هو أن لا يرى في الموجود إلّا واحدا و هو مشاهدة الصدّيقين و يسمّيه الصوفيّة الفناء في التوحيد لأنّه من حيث لا يرى إلّا واحدا لا يرى نفسه أيضا بمعنى أنّه فنى عن رؤية نفسه.
فإن قلت: كيف يتصوّر أن لا يشاهد إلّا واحدا و هو يشاهد السّماء و الأرض و سائر الأجسام المحسوسة و هي كثيرة؟
فاعلم أنّ هذا غاية علوم المكاشفات و أنّ الموجود الحقيقي واحد، و أنّ الكثرة فيه في حقّ من يفرق نظره، و الموحّد لا يفرق نظر رؤية السماء و الأرض و سائر الموجودات بل يرى الكلّ في حكم الشيء الواحد، و أسرار علوم المكاشفات لا يسطر في كتاب، نعم ذكر ما يكسر سورة استبعادك ممكن و هو أنّ الشيء قد يكون كثيرا بنوع مشاهدة و اعتبار، و يكون بنوع آخر من المشاهدة و الاعتبار واحدا كما أنّ الإنسان كثير إذا نظر إلى روحه و جسده و سائر أعضائه و هو باعتبار آخر و مشاهدة اخرى واحد إذ نقول إنّه إنسان واحد فهو بالإضافة إلى الإنسانيّة واحد، و كم من شخص يشاهد إنسانا و لا يخطر بباله كثرة أجزائه و أعضائه و تفصيل روحه و جسده، و الفرق بينهما و هو في حالة الاستغراق و الاستهتار مستغرق واحد ليس فيه تفرّق و كأنّه في عين الجمع و الملتفت إلى الكثرة في تفرقة.
و كذلك كلّ ما في الوجود له اعتبارات و مشاهدات كثيرة مختلفة و هو باعتبار واحد من الاعتبارات واحد و باعتبار آخر سواه كثير بعضه أشدّ كثرة من بعض.
و مثال الانسان و إن كان لا يطابق الغرض و لكن ينبّه في الجملة على كشف الكثير و يستفيد معا من هذا الكلام بترك الإنكار و الجحود بمقام لم تبلغه و تؤمن به إيمان تصديق فيكون لك من حيث إنك مؤمن بهذا التوحيد نصيب منه، و إن لم يكن ما آمنت به صفتك كما أنّك إذا آمنت بالنّبوّة كان لك نصيب منه، و إن لم يكن بيّنا و هذه المشاهدة الّتي لا يظهر فيها إلّا الواحد الحقّ سبحانه تارة يدوم