منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٢٠٣ - رسالة منفردة في لقاء الله تعالى
اشتر لنا غذاء نتغذّى و ذهب الخادم و اشترى لهما غذاء و أحضره، قال الحكيم للفاضل:
بسم اللّه، تعال، نتغذى، قال الشّيخ: أنا لا أتغذّي، قال: تغذّيت؟ قال: لا، قال:
لم لا تتغذّي و أنت ما تغذّيت بعد؟! قال: احتاط أن آكل من غذائكم، قال:
ما وجه احتياطك؟ قال: سمعت أنّك تقول بوحدة الوجود و هو كفر و لا يجوز لى أن آكل من طعامك معك لأنّه ينجس من ملاقاتك، قال: ما فرضت أنت معنى وحدة الوجود و حكمت بكفر قائله؟ قال: من جهة أنّ القائل به قائل بأنّ اللّه كلّ الأشياء و جميع الموجودات هو اللّه، قال: أخطأت تعال تغذّ لأنّى قائل بوحدة الوجود و لا أقول بأنّ جميع الأشياء هو اللّه لأنّ من جملة الأشياء جنابك و أنا لا أشكّ في كونك بدرجة الحمار أو أخسّ منها فأين القول بإلهيتك؟! فلا احتياط و لا إشكال تعالى تغذّ انتهى.
و قلت: قدر أى حكيم ناسكا جاهلا في يده سبحة يذكر الحكماء واحدا بعد واحد و يلعنهم فقال له: لما ذا تلعنهم و ما أوجب لعنهم؟ قال: لأنهم قائلون بوحدة واجب الوجود، فتبسّم الحكيم ضاحكا من قوله فقال له: أنا أيضا قائل بوحدة واجب الوجود فاشتدّ الناسك غضبا فقال: اللهمّ العنه.
و اعلم أنّ البحث عن وحدة الوجود تارة يتوهّم أنّ الوجود شخص واحد منحصر بفرد هو الواجب بالذّات و ليس لمفهوم الوجود مصداق آخر، و غيره من الموجودات كالسماء و الأرض و النبات و الحيوان و النفس و العقل خيالات ذلك الفرد أى ليس سوى ذلك الفرد شيء و هذه الموجودات ليست أشياء اخرى غيره كماء البحر و أمواجه حيث إنّ تلك الأمواج المختلفة في الكبر و الصغر ليست إلّا ماء البحر، إلّا أنّ اختلاف الأمواج و كثرتها يوهم أنّها موجودات بحيالها غير الماء فهذا التوهم مخالف لكثير من القواعد العقليّة الحكميّة الرصينة المباني، لأنّه يوجب نفي عليّة الحقّ و معلوليّة الممكنات حقيقة و عدم افتقار الممكنات رأسا، بل يوجب نفيها أصلا، و بالجملة أنّ مفاسدها كثيرة عقلا و شرعا و لم يتفوّه به أحد من الحكماء المتألهين و العرفاء الشامخين و نسبته إليهم