منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٣٠٠ - خاتمة
كانت صقيلة، فهذا قياس النفس لأنّ المرآة إذا كانت صدئة لم يتبيّن صورة شيء فيها بتّة، فإذا زال منها الصدء ظهرت و تبيّنت فيها جميع الصور، كذلك النفس العقلية إذا كانت صدئة دنسة كانت على غاية الجهل و لم يظهر فيها صور المعلومات و إذا تطهّرت و تهذّبت و انصقلت، و صفاء النفس هو أنّ النفس تتطهّر من الدنس و تكتسب العلم ظهر فيها حينئذ صورة معرفة جميع الأشياء، و على حسب جودة صقالتها تكون معرفتها بالأشياء، فالنفس كلما ازدادت صقالا ظهر لها و فيها معرفة الأشياء.
و هذه النفس لا تنام بتّة لأنّها في وقت النوم تترك استعمال الحواس و تبقى محصورة، ليست بمجرّدة على حدتها، و تعلم كلّ ما في العوالم و كلّ ظاهر و خفي و لو كانت هذه النفس تنام لما كان الإنسان إذا رأى في النوم شيئا يعلم أنه في النوم بل لا يفرق بينه و بين ما كان في اليقظة.
و إذا بلغت هذه النفس مبلغها في الطهارة رأت في النوم عجائب من الأحلام و خاطبتها الأنفس الّتي قد فارقت الأبدان و أفاض عليها البارى من نوره و رحمته فتلتذّ حينئذ لذّة دائمة فوق كل لذّة تكون بالمطعم و المشرب و النكاح و السماع و النظر و الشمّ و اللمس، لأنّ هذه لذات حسيّة دنسة تعقب الأذي، و تلك لذّة إلهيّة روحانيّة ملكوتيّة تعقب الشرف الأعظم، و الشقى المغرور الجاهل من رضى لنفسه بلذّات الحسّ و كانت هي أكثر أغراضه و منتهى غايته.
و إنما نجيء في هذا العالم في شبه المعبر و الجسر الّذي يجوز عليه السيّارة ليس لنا مقام يطول، و أما مقامنا و مستقرّنا الّذي نتوقع فهو العالم الأعلى الشريف الّذي تنتقل إليه نفوسنا بعد الموت حيث تقرب من باريها، و نقرب من نوره و رحمته، و نراه رؤية عقليّة لا حسيّة، و يفيض عليها من نوره و رحمته، فهذا قول افسقورس الحكيم. انتهى ما نقلنا عن الفيلسوف الكندي.
و قد صدر هذه النكات اللطيفة الشريفة عن قلوب نقيّة، و هي كلمات اقتبست من مشكاة الأنبياء غاية الأمر بوسائط، و الملهم المبتدع القديم حقّ عليم منّه عظيم.