منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٢٩٩ - خاتمة
الشهوانيّة و كانت هي غرضه و أكثر همته فقياسه قياس الخنزير، و من غلب عليه الغضبيّة فقياسه قياس الكلب، و من كان الأغلب عليه قوّة النفس العقلية و كان أكثر أدبه الفكر و التمييز و معرفة حقائق الأشياء، و البحث عن غوامض العلم كان انسانا فاضلا قريب الشبه من الباري سبحانه لأنّ الأشياء الّتي نجدها للباري عزّ و جلّ هي الحكمة و القدرة و العدل و الخير و الجميل و الحقّ.
و قد يمكن للإنسان أن يدبّر نفسه بهذه الحيلة حسب ما في طاقة الإنسان فيكون حكيما عدلا جوادا خيّرا يؤثر الحقّ و الجميل، و يكون بذلك كلّه بنوع دخل دون النوع الّذي للباري سبحانه من قوّته و قدرته لأنّها إنما اقتبست من قربها قدرة مشاكلة لقدرته، فإنّ النفس على رأى أفلاطن و جلّة الفلاسفة باقية بعد الموت جوهرها كجوهر البارى عزّ و علا في قوّتها إذا تجرّدت أن تعلم سائر الأشياء كما يعلم البارى بها أو دون ذلك برتبة يسيرة، لأنها اودعت من نور البارى جلّ و عزّ.
و إذا تجرّدت و فارقت هذا البدن و صارت في عالم العقل فوق الفلك صارت في نور البارى، و رأت البارى عزّ و جلّ و طابقت نوره و جلّت في ملكوته فانكشف لها حينئذ علم كلّ شيء، و صارت الأشياء كلّها بارزة لها كمثل ماهي بارزة للبارى عزّ و جلّ، لأنّا إذا كنّا و نحن في هذا العالم الدنس قد نرى فيه أشياء كثيرة بضوء الشمس فكيف إذا تجرّدت نفوسنا، و صارت مطابقة لعالم الديموميّة و صارت تنظر بنور البارى فهى لا محالة ترى بنور البارى كلّ ظاهر و خفىّ و تقف على كلّ سرّ و علانية.
و كان أفسقورس يقول: إنّ النفس إذا كانت و هي مرتبطة بالبدن تاركة للشهوات متطهّرة من الأدناس، كثيرة البحث و النظر في معرفة حقائق الأشياء انصقلت صقالة ظاهرة و اتّحد بها صورة من نور البارى يحدث فيها و يكامل نور البارى بسبب ذلك الصقال الّذي اكتسبه من التطهر فحينئذ يظهر فيها صور الأشياء كلّها و معرفتها كما يظهر صور خيالات سائر الأشياء المحسوسة في المرآة إذا